fbpx
كتاب الراية

فيض الخاطر.. ترويج الأحقاد .. تدمير للمجتمعات

الأحقاد لا تورث سوى الفرقة والبغضاء بين الإنسان وأخيه الإنسان

الأحقاد سلاح فتاك، يقضي على الاستقرار النفسي ويمحو طمأنينة القلب، ويقذف بالإنسان في متاهات القلق وحب الانتقام والتشفي، والشماتة بالآخرين إن وقعوا في ضيق أو ألمّت بهم محنة، وهذه الأحقاد لا تنشأ في البيئة السوية الخالية من أدران النفس وشوائبها، ولكنها تنشأ في البيئة الملوّثة المتخمة بذوي النفوس المريضة، التي انمحى منها الخير أو كاد، نتيجة ظروف تربوية وبيئية يمكن للإنسان السوي أن ينجو منها، فكلما ازداد قربه من الله ابتعد سلوكه عن الشرور، ومنها الأحقاد التي تؤدي إلى سواد القلب وغياب العقل وموت الضمير.

والمؤسف أن هناك من يستسلم لهذا المرض الاجتماعي الخبيث، ويغذيه بتعامله السيئ مع الآخرين، فلا يرعى لهم ذمة، ولا يحفظ لهم حقًا، ولا يتوانى عن انتهاز الفرص للإساءة إليهم بشتى الوسائل والأشكال، ويدعو نهارًا جهارًا لرفض الآخرين وإعلان الحرب الشعواء عليهم لمجرد الاختلاف في اللون أو المذهب أو الدين، مع أن الإنسان يخلق ليعيش قدره في لونه أو دينه أو مذهبه، وليت الأمر يتوقف على الاختلاف في بعض الأمور، لكنه يتحوّل إلى خلاف حاد ينمو في أحضانه المزيد من هذه الأحقاد، وتجد من يغذيها بالعنصرية والطائفية والنرجسية التي ترفض حق الآخرين في العيش في أمن وسلام.

والمؤسف أكثر أن من الحاقدين من يتخذ الدين مطية له، لتمرير أحقاده، ولا يتوانى عن تفسير الآيات كما يحلو له ويوافق مزاجه ويحقق هدفه، وقلب الحاقد دائمًا متخم بالضغائن، وضميره دائمًا غائب عن الحق، وإن بدا ذرب اللسان، وليّن الجانب، وهو يدسّ سمومه في المعسول من القول، والمعجب من الكلام، قال تعالى: (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام).

هناك أناس نذروا أنفسهم لهذا الدور التدميري وهو زرع الأحقاد بين الناس، وهم يدركون أن هذه الأحقاد لا تورث سوى الفرقة والبغضاء بين الإنسان وأخيه الإنسان، لا فرق لديهم إن كان ذلك بين أفراد الأسرة الواحدة، أو المجتمع الواحد، أو الوطن الواحد، والنتيجة هي غياب الثقة، وإشاعة الشك، وانتشار العداوات، وانشغال أفراد المجتمع عن بناء مجتمعهم على أسس راسخة من التعاون والتكاتف من أجل المصلحة العامة، وما أسهل أن يسود التخلف في مجتمع تكثر فيه الأحقاد، وتشتت شمله العداوات، وتعرقل مسيرته التنموية الشكوك والنيات السيئة التي تصنعها تلك الأحقاد إذا انتشرت، والخلافات إذا استفحلت، وأصحاب النفوس الكريمة هم من يبتعدون عن الأحقاد، فلا تعرف الطريق إليهم، وهم يتجنبونها كما يتجنب السليم الأمراض المُعدية المُهلكة، ومن سمت نفسه وعلت همته لا يمكن أن يحمل حقدًا لأحد، إذ (لا يحمل الحقد من تعلو به الرتب).

وفي الحديث الشريف: (تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس فما من مستغفر إلا ويغفر له، وما من تائب إلا ويتاب عليه، ويرد أهل الضغائن حتى يتوبوا) أو كما ورد، قال المنذري: الضغائن هي الأحقاد. وأسوأ ما يجلبه الحقد لصاحبه هو سواد القلب، وخبث النوايا، وغياب الوعي، وكم هي النفس بحاجة إلى الطمأنينة والاستقرار والعيش بأمن روحي وسلام عاطفي، وصدق من قال:

الحقد داء دفين لا دواء له

يبري الصدورإذا ما جمره حرثا

فاستشف منه بصفح أو معاتبة

فإنما يبرئ المصدور ما نفثا

ودرب الأحقاد مليء بالأشواك، وما نهايته إلا الخسارة المؤكدة، فالحقد كالحسد الذي قيل عنه: إنه بدأ بصاحبه فقتله.

[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق