fbpx
المنتدى

الأدب وقلة الأدب!

الجوائز الأدبية ليست دليل جودة الأعمال

بقلم – سليم عزوز

 لست قارئًا مُحترفًا للأدب، فلا أقدم على قراءة عمل روائي إلا بناءً على توصية من أحد، أو بترشيح من مصدر ثقة، وإن كنت أقدمت على قراءة أدب بهاء طاهر كاملًا بدون ذلك.

وإذ أعجبت بأدبه، فقد اعتمدت تزكيته لرواية «تغريدة البجعة» لسعيد مكاوي، عندما فازت روايته «واحدة الغروب» بجائزة البوكر العربية، وقال في حديث تلفزيوني إنه خشي من منافسة رواية مكاوي، فأخذت بهذه الشهادة، وبدأت في قراءتها ولم أجد على النار هدى!

كنت أعتقد أن المرء، وإن جامل في مجالات الحياة الأخرى، فلا يجوز له أن يجامل في مجال تخصصه، لذا فأنا – مثلًا – لا أمنح شهادة الجودة في الكتابة الصحفية من باب جبر الخواطر، فهناك متسع في الحياة لممارسة ذلك، كما أنني لا أجامل بالكتابة على غير قناعتي، فإذا كان ولا بد فإن كلمة غائمة في جلسة قد تؤدي الغرض، وقد تحاشيت لفترة ليست بالقليلة قراءة رواية «عمارة يعقوبيان»، حتى لا أتورط في شهادة زور، أو الكتابة السلبية في حال ما إذا لم تعجبني الرواية، فأغضب كاتبها!

وقد طلب مني علاء الأسواني أن أكتب عن «عمارة يعقوبيان»، بعد صدورها مباشرة، وقلت له إنني كاتب سياسي، ولست محترفًا في الكتابة بالأدب، وقال إنه يريد رأيي فيها من المنظور السياسي وليس من باب النقد الأدبي، فهناك كثيرون كتبوا عنها من هذا الباب، وقد تركتها على مكتبي ولم أقرأها إلا بعد ذلك بعدة شهور، وقد راعني هذا الاستقبال الحافل لها في مصر وخارجها، لدرجة أن أشقاء عربًا من بلدان مختلفة كانوا يسألونني إن كنت قرأت «عمارة يعقوبيان»، وإن كنت أعرف فعلًا علاء الأسواني، فقد كانت بالنسبة له «رواية طلقة»، مع أنه سبقها عدد من الأعمال الأدبيّة لم تلفت انتباه الناس، وقد استغلّ هذا النجاح وأعاد طباعة روايات سابقة في كتاب واحد حمل عنوانًا جديدًا اسمه «نيران صديقة»، تماشيًا مع مصطلح راج إعلاميًا في هذه الفترة التي شهدت احتلال العراق، وما عرف من أخبار ضحايا النيران الصديقة في هذه الحرب، وظني أن هذا الكتاب لم ينجح، وإن استفاد من نجاح «عمارة يعقوبيان»، روايته الجديدة «شيكاغو» التي لم أقرأها حتى الآن!

وما يجعلني لا أقدم بسهولة على قراءة رواية ما، هو أن لدي عيبًا، فإذا بدأت لا أتركها حتى أنتهي منها، وإن لم تكن مناسبة لي، وهو ما حدث لي مع رواية «تغريدة البجعة»، التي ظللت أقرؤها لأسبوعين متتاليين، أبدأ حتى إذا أرهقت تركتها لأعود لها من جديد، وهي رواية مُرهقة فعلًا، في حين أن أكبر رواية من حيث عدد الصفحات قد لا تستمر في يدي أكثر من ثلاثة أيام، وبعد أن انتهيت من رواية «سعيد مكاوي»، شعرت أنني وقعت ضحية ثقتي في بهاء طاهر، ولكي أنفّس عن حالة الغضب هذه كتبت ضدها سطرين، في وقت كان – رحمه الله – مختالًا بنفسه، بعد فوزه بواحدة من جوائز الأدب، وإذا لم تكن بيننا علاقة سوى السلام العابر عندما نلتقي بأحد مقاهي وسط القاهرة، فقد تحاشى حتى هذا السلام، حتى وإن كنت أجلس مع أصدقاء له، ووجدت أن في معاركي السياسية ما يكفي ويفيض لفتح جبهات لخصومات جديدة، وهو ما عزز لديّ فكرة عدم التطوّر في الكتابة في مجال الانطباعات الأدبية، فلم أقدم على هذا إلا قليلًا.

ولا أخفي أنني كنت أعتبر أن الفوز بالجوائز يمثل تزكية تساوي تزكية الأصدقاء، ومما اعتمدته لذلك جوائز البوكر العربية أو ترشيحاتها، لكني وقفت على أن الجوائز الأدبية ليست دليل جودة للأعمال، لأن المجاملات فيها أكبر من شهادة بهاء طاهر في حق «تغريدة البجعة»، وكانت نهاية عهدي بها بقراءة رواية «الطلياني» لشكري المبخوت، وهو كاتب تونسي ويساري وأكاديمي، وتكفي هذه التوصيفات، «يساري»، و»أكاديمي» في عالمنا العربي ليفقد الأدب قيمته، فما دخلت الأيدولوجيا في الأدب إلا شانته، وهو ما يسري على الأكاديميين، فما للقوم والكتابة الأدبية التي توجب الرشاقة، ولا تكتمل إلا بجمال العبارة؟!

رواية «المبخوت» ليست أكثر من كتاب عن تونس ما قبل الثورة، وعن انهيار اليسار وضياعه، بعد أن تبخرت الأحلام في إقامة المدينة الفاضلة، ورغم أننا شاهدناه في ساحة البحث وقد تحوّل إلى ناشط سياسي، بعيدًا عن الأكاديمية، باعتباره يساريًا صنديدًا، إلا أن روايته تصلح أداة للتشهير باليسار الذي ينتمي إليه!

كان «المبخوت» يقود عملية طرد أحد قيادات حركة النهضة وقد استدعي للجامعة في سينمار أو نحو ذلك، فكيف يمكن تقييم الحركة أكاديميًا، إذا لم يتم الاستماع لقادتها؟، لكنه كان من الذين يرون أن الجامعة محراب مُقدس لا يجوز أن يدنسه الإخوان، وهو أمر قد نتقبله في سياق حالة الاستقطاب السياسي، لكنه يكشف عن اختفاء الأكاديمي والأديب لصالح الأيدولوجيا وعندما تحضر من الباب، يقفز الأدب من النافذة، وتحول صاحبها إلى كائن ديماجوجي!

ومهما يكن، فإن رواية «الطلياني» تمثل استغراقًا لافتًا في المشاهد الجنسية وبذكر التفاصيل بدون ضرورة أدبية، وكأنها كتاب لتعليم ممارسة الجنس بدون مُعلم، مثل الكتب التجارية عن تعليم اللغات بدون معلم.

وبعيدًا عن المبخوت وروايته، فإن «الإعاقة» في كثير من الأعمال الأدبية الحديثة، عندما يسرف الكاتب في الوصف، مقلدًا للكتّاب الكبار، دون أن يملك مهارة ذلك، وكأنه يريد أن يؤخذ من كلامه حكمًا يرددها الناس، وينقلها عنه الكتاب، وهو لون من الكتابة يحتاج لمهارات خاصة، انظر إلى التفوق في هذا اللون فيما جاء في رواية «الراهب الذي باع سيارته الفيراري» للكاتب الكندي من أصل هندي «روبن شارما» والتي تحكي قصة رحلة روحية في جبال الهيمالايا، بعيدًا عن صخب الحياة الحديثة وضوضائها!

لقد انتهيت منها في شهر أغسطس الماضي، وحرصت على كتابة كل ما فيها من حِكم وعِبر، فاذا بها كثيرة ولا يتسع لها المقام .. خذ هذه:

«إياك أن تندم على ماضيك، بل تعامل معه من منطلق كونه معلمًا لك».

«العقل مثله مثل أي عضلة أخرى في جسمك لو لم توظفه ستفقده».

«القلق يستنفد الجزء الأكبر من طاقة العقل، وعاجلًا أو آجلًا يلحق أضرارًا جسيمة بالروح».

إنها رواية على إثارتها إلا أنها خالية من المشاهد الجنسية تمامًا، في حين أننا لا نعرف إلا الأدب بالجرعة المُكثفة من قلته.

وقلة الأدب هي لتعويض النقص في الأدب!

كاتب وصحفي مصري

[email protected]

العلامات
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X