fbpx
كتاب الراية

العملات الرقمية ما لها وما عليها (8)

منصة «بلوك تشين» تستخدمها العملات الرقمية لتنفيذ معاملات آمنة علنية

يمر العالم بقفزة هائلة من الاقتصاد الصناعي إلى الاقتصاد الذي تحدده مجموعة جديدة من التقنيات، تتراوح بين التكنولوجيا الرقمية والتكنولوجيا متناهية الدقة. ولعل أحدث موجات الرقمنة هي تقنية سلسلة الكتل «البلوك تشين»، وما يرتبط بها من عملة البيتكوين والعملات المشفّرة، التي أصبحت حديث العالم، واعتمدها الكثير من الدول والبورصات والشركات.
وقد يخلط البعض بين العملات الرقمية وتقنية البلوك تشين نتيجة التشابه في اللامركزية، وآلية العمل وارتباط عمل العملات الرقمية بالبلوك تشين. وهنا -كما سبق وأن عرفنا العملات الرقمية- فإنها عملة رقمية لا مركزية، أي إنها أصل مصمم ومسجل إلكترونيًا أو رقميًا، وتستخدم نظامًا لامركزيًا لتسجيل المعاملات وإدارة إصدار وحدات جديدة، وتعتمد على التشفير لمنع عمليات التزوير والاحتيال والتأكد من إرسال المدفوعات وتسلّمها بأمان. وبذلك فإن هذه العملات تختلف عن العملات التقليدية أن ليس لها سلطة أو جهة إصدار أو تنظيم مركزية. وقد نشأت بالأساس نتيجة الأزمة المالية العالمية عام 2008 وما نتج عنها من فقدان الثقة في المصارف، حيث وجه الناس الاتهامات إلى المصارف والبنوك المركزية بأنها المسؤولة عن هذه الأزمة التي ضربت الاقتصادات العالمية.
أما البلوك تشين فهي سلسلة من السجلات أو الكتل الثابتة من البيانات، وتتم إدارتها من خلال مجموعة من الحواسيب غير المملوكة لأي كيان واحد. ويتم تأمين كتل البيانات وترتبط ببعضها البعض باستخدام مبادئ التشفير. وخلافًا لأنظمة التجارة التقليدية، لا حاجة لوسيط أو نظام تسجيل مركزي لمتابعة حركة التبادل، بل تقوم كل الجهات بالتعامل مباشرة مع بعضها البعض. وبذلك فإن شبكة البلوك تشين مستقلة، ولا تخضع لأي سلطة مركزية أيضًا، لأنها في الأساس سجل مشترك وغير قابل للتغيير، والمعلومات الموجودة فيها مفتوحة ومتاحة لأي شخص، لكي يطّلع عليها. وبالتالي، فإن أي شيء مبنيّ على البلوك تشين هو بطبيعته شفّاف وغير قابل للتزوير، حيث يتم إنشاء سجل فريد مرتبط بغيره من السجلات. ولتزوير سجل واحد لابد من تزوير السلسلة بأكملها على ملايين الحواسيب. وهذا أمر مستحيل عمليًا.
وتمتلك البلوك تشين مجموعة من الخصائص التي تجعلها تحظى بإعجاب الناس وتشجعهم على التعامل بها، ومن بين هذه الخصائص: أنها غير قابلة للتغيير ولا يمكن لأي شخص العبث بالبيانات الموجودة داخلها، تمتاز بالشفافية، فيمكن لأي شخص تتبع البيانات الواردة فيها باستخدام متصفح بلوك تشين، تميل بلوك تشين إلى اللامركزية، حيث لا يوجد سلطة مركزية تحكمها فهي ليست مملوكة لكيان عكس قواعد البيانات التقليدية الّتي يمكن حجبها ومراقبتها من قبل مالكها.
وأمام هذه الخصائص، حيث تعد بلوك تشين التكنولوجيا أو المنصة التي تستخدمها العملات الرقمية لتنفيذ معاملات آمنة علنية، لذلك، يجب التأكيد أن السبب الرئيس في انتشار العملات الرقمية ونجاحها لا يكمن في هذه العملات ذاتها، بل يرجع إلى منصة البلوك تشين التي تعمل مثل الدفاتر، وقد استبدلت الثقة في مركزية الكيان الواحد -مثل البنك- باللامركزية والثقة في جموع الموجودين على المنصة، حيث يكون كل الموجودين أو المتصلين بالشبكة هم المراقبين للمعاملات التي تتم بـاستخدام العملات الرقمية. بمعنى أنه يتم الحفاظ على النظام الموزع من خلال العمل الجماعي للعديد من المستخدمين المنتشرين حول العالم. الذين يشاركون في التحقق من المعاملات وتأكيدها وَفقًا لقواعد النظام. وعلى الرغم من أن العديد من الأشخاص يربطون تقنية البلوك تشين بمعاملات العملات المشفرة فحسب، إلا أنه يمكن استخدامها لتسجيل أي نوع من أنواع التبادل، مثل مبيعات العقارات ومنشأ سلاسل التوريدات. ومن شأن هذه الميزات تحويل إجراءاتنا اليومية الروتينية إلى إجراءات أكثر فاعلية، وشفافية، وسرعة، وأقل تكلفة.

باحث اقتصادي

[email protected]

العلامات
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق