fbpx
كتاب الراية

تحت المجهر.. سؤال  الحرية

المعضلة الأساسية التي تقف أمام الإنسان من نتاج المجتمع الذي هو جزء منه

يصف المُفكر الإسلامي الدكتور «علي شريعتي» الإنسان، بأنه: «واقعٌ في أسر أربعة سجون: أولها الطبيعة، والثاني التاريخ، والثالث فهو سجن المُجتمع، أما أمنع هذه السجون فهو سجن النَفس».

في هذا المقال لن أتطرّق إلى الخوض في البحث عن طبيعة هذه السجون تفصيلًا، وتوضيحًا، لأنها تتطلب مقالات قادمة، إنما هنا سألقي بعض الضوء على ما هو مطلوب، كي يخرج الإنسان من هذه السجون الأربعة، ويُحقق ذاته. «شريعتي» يُشير إلى سجون يحبس الإنسان ذاته فيها طوعًا، أو يجد نفسه في داخلها قهرًا، خلال مراحل حياته، بعوامل خارجية، أو داخلية ولا يستطيع كسر قيودها، أو الخلاص منها، ليصبح ضحيتها، وقربانها على مدى عمره القصير، منذ طفولته ومرورًا بسنوات صباه إلى ترهّل الكهولة، وانطفاء شمعته.. شمعة الحياة. وليجد نفسه في آخر أيامه تتنازع في أعماقه، وتتصارع في وجدانه أسئلة وشكوك عدة عن قيمة وأهمية ما قدمه في حياته لتحقيق أصالته الإنسانية. وهل عاش هذا الإنسان لنفسه تحقيقًا ووصولًا إلى هذا الهدف، أم كان تعايشًا مع الآخرين، ورقمًا كباقي الأرقام، وفردًا يلهث وراء إشباع رغباته الدنيوية المادية، ولا يُدرك معنى وجوده؟.

من هنا، يتضح أن المُعضلة الأساسية التي تقف أمام الإنسان، حتى يواجه التحديات الكثيرة التي هي من صنيعته الذاتيّة ومن نتاج المجتمع الذي هو جزء منه، وهي تحديات حقيقية، تشكل سدًا منيعًا أمام المجتمعات نحو بلوغ التقدم والرقي، هي أننا لا نسأل الأسئلة الصعبة التي بباطنها مفتاح خلاصنا وطوق نجاتنا، ولا نغامر المغامرات الكُبرى التي تتطلب مَنْ يتحمل تبعاتها، ولا نبحث عن المجهول، ولا التي تختبئ في الأشياء، وما وراء الأشياء. والواضح أننا في حياتنا نريد دومًا الأشياء السهلة، التي تمتد إليها أيادينا، وتراها أبصارنا، لكن لا تدركها بصيرتنا. ونحن نبغي الحياة اليسيرة الجاهزة، والأخرى غير الناضجة، والأفكار التقليدية. نريد الثابت ونرفض المتحرك، نتمسك بالقديم تراثًا، ونتخوف من الجديد فكرًا، نتعلق بالتقاليد التي تعوّدنا عليها، ولا نسأل عن مدى صحتها، ولماذا هي في حياتنا، رغم بُعدنا عن مواقع منابتها؟.

لكن أي حياة هذه؟، وإلى أين يمكن أن توصلنا، وعقولنا مُجمّدة.. محبوسة؟، وحولنا العالم يتقدم، ويعيش ما بعد «الحداثة»، وأقدامنا لم تطأ بعد قطار «الحداثة»، الذي انطلق، وتجاوزنا منذ أكثر من قرنين من الزمان. ومع هذا ما زلنا نتكلم عن أهمية الحداثة وضرورة دخولها في واقعنا.

هناك أسئلة إشكالية عدة، تحتاج منا أن نلتفت إليها، من قبيل سؤال «الحرية»، فهو سؤال لم نقدّم له الجواب لهذا التاريخ. فهو المُكون الأهم، والعامل الحاسم في تجاوز واقعنا المُتردي المُتهالك الذي لا يمكن أن يصنع في حالته هذه أي نهضة وتقدم.

من هنا، فإن أول سؤال علينا استحضاره وتبنيه في خطابنا، وتدويره في فكرنا، ليجد طريقه إلى وجداننا وأفعالنا، هو سؤال «الحرية»، حرية الإنسان العربي.. وكيف يتحرر أولًا من مُعوقاته وسجونه التي تمنعه من أن يأخذ دوره المطلوب مع رفاقه وأقرانه، ويكون في صلب وصدارة الحياة ومعركة التغيير؟. هذه المعركة التي يُراد من قُوى داخلية وأخرى خارجية أن يبقى الإنسان العربي بعيدًا عنها.

وعندما يتحرّر الإنسان من هذه السجون الأربعة التي أشرت إليها في مدخل هذا المقال، عندها سيخرج من قوالبه التي وجد نفسه فيها. كما سيتجاوز المفاهيم والأطر التي تحجب رؤاه، وتمنعه من تلمّس ما هو خارج هذه الأطر والقوالب، ويتمكّن من وضع مفاهيم جديدة أقربها وأصدقها تأويلًا ووعيًا للتاريخ والمجتمع والطبيعة والنفس.

وبعدها، فقط، سيتمكن من الوقوف وبقوة وثقة على أرضية صُلبة، وعندها سيكون تواصله فكريًا مع الآخر المختلف في دائرته العربية والإسلامية، أو من خارجها، الإنسانية، أيسر طريقًا، وأكثر فاعلية ونفعًا للوصول إلى النهضة المنشودة. وفي الإجابة عن هذا السؤال الحيوي، يُصبح تحقيق «الذات» مُمكنًا، وهو أول الطريق، ومن ثم يمكن طرح بقية الأسئلة، في طريق النهضة والتقدم.

[email protected]

twitter:@DrIbrahim60

اقرأ أيضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق