fbpx
كتاب الراية

من نافذة التاريخ والواقع.. اليوم العالمي للإذاعة

أمر الحاكم القائمين على الإذاعة بأن يضعوا آيات من القرآن لإقناع المُشكّكين بتدخل الجن والشياطين

مرّ احتفال يوم الإذاعة بهدوء، دون أن يشعر به أحد، وللعلم، فإن البث الإذاعي هو أعظم أمر تقني، وقد استهل به القرن العشرون أحداثه، ونقطة تغيير جذري في البشرية، حينما قام الفيزيائي (غوليلمو ماركوني) بإرسال أول بث للراديو لينتقل على مسافات طويلة عام ١٩٠١، في تلك اللحظة أصبح العالم مُختلفًا، دخل باتجاه ثورة علمية لن يستوعبها بسهولة الكثير من البشر.

أصبح الصوت يتسلل ويصل إلى الجانب الآخر من العالم، طبعًا الخليجيون في بداية الأمر كما الكثير من المُجتمعات لم يتقبلوا هذا التطور، التبرير المُفضّل لديهم هو أن يُنسب إلى مخلوقات خفية، وأكثر مُتهم تحوم حوله الشبهات في مثل هذه الأمور «الجن والشياطين»، فهم القادرون على أن يجعلوا الحديد يتكلم، ويقال إن أحد الحكّام أراد إقناع جلسائه المُتيقنين من أن للجن يدًا في موضوع الإذاعة، فعجز عن إقناعهم وأخيرًا أمر القائمين على الإذاعة بأن يضعوا آيات من الذكر الحكيم، ليقول لهم: هل الشيطان يقرأ القرآن بهذا الترتيل الجميل والخشوع؟ ليُصبح الشرح العملي نهاية لصداع كبير يناله من أصحاب نظرية (خذ العلم ما غيرهم الجن).

يقول المثل المصري «والله وبان للنمل أسنان»، ينطبق المثل على الإذاعة التي لم تكتف بإظهار أسنانها بل صنعت أنيابًا وكشّرت عنها بعد سنوات من الهدوء، أصبحت تسقط وتثبت أنظمة، مثلًا حينما أرادت أمريكا الانقلاب على مصدق الرجل الوطني الذي استطاع تأميم النفط الإيراني والمُهدّد لمصالحهم، و أتت إشارة بدء الانقلاب عبر إذاعة لندن، ساعة الانقلاب جملة «الساعة الآن مُنتصف الليل تمامًا»، بدلًا من الجملة المُعتادة «الساعة الآن منتصف الليل»، نجح ذلك الانقلاب بتنسيق كبير في جهودهم مع تعاون إذاعة لندن معهم.

على ذكر لندن قبل البث الفضائي وتزاحم الفضاء بالقنوات الإخبارية كانت إذاعة لندن هي مصدر الخبر الموثوق، «يا رجال الحين لندن قالت»، هذه الجملة تنهي الشكوك بمصداقية أي خبر يتم نقله، إذاعة ارتبط بها أهل المنطقة لمعرفة الكثير من الأحداث التي تمر في العالم، الموجة المتوسطة (702) هي المُفضّلة لأهل الخليج لمعرفة الحقيقة، ولن ينسى جيل التسعينيات وهم يسمعون منها أخبار ما يجري في الكويت، بدءًا من احتلالها وحتى رجوع أميرها وسجوده في المطار شكرًا لله، يقول لي أحد تجار سوق واقف: بعد اجتياح العراق للكويت اختفت أجهزة المذياع وزاد ثمنها وأصبح لها سوق سوداء بسبب تهافت الناس على شرائها.

الغرب استخدم الإذاعة بطريقة ذكية جدًا وبنهج علمي مدروس وتمرير رسائلهم من دون أن تشعر بتحيزهم، بينما في الجهة المُقابلة كان (أحمد سعيد) في صوت العرب يُعلن دخول جيوش العرب إلى تل أبيب تقتل وتأسر وإسقاط المئات من طائرات العدو، في فورة حماسية في نقل الخبر كانت الإذاعات العالمية تنقل تصريح «موشي ديان» وزير الدفاع الإسرائيلي أن طريق القاهرة أصبح مفتوحًا للجيش الإسرائيلي.

الإذاعة ليست سرادق عزاء لنقل صور الموت والحروب فقط، هناك عالم موازٍ جميل من المشاعر الجيّاشة، والحديث المُميز والمعلومات القيّمة، جذب حاسة الأذن يحتاج لقدرات كبيرة، رغم شدة الزحام لا يزال لها صوت مسموع وإن خفت قليلًا، للأسف الشديد اليوم الكثير من القنوات تخصّص ساعات البث الطويلة للغناء، غابت البرامج الجميلة، فقدت الإذاعة شريحة كبيرة من عشّاقها العارفين حقًا قدرها، وأخذت تحاول أن تستقطب جيلًا مُغرياته كثيرة وسوف يتخلى عنها عند أول مُنعطف، عمومًا الإذاعة تمرض ولكنها لن تموت.

على المُستوى الشخصي أنا من عشّاق الإذاعة، في الماضي كان لا يغمض لي جفن إلا على صوت ثرثرتها، أشعر بالامتنان لمُخترع «التايمر» حيث يُغلق البث بنفسه وأنا في نومي العميق، (السنغن والسوني والباناسونيك والفيلبس)، كلها أجهزة ما زلت أحتفظ بها ولن أتنازل عنها، مدين لها بالكثير من المعلومات التي استفدت منها، الغريب أنه حتى يومنا هذا أتلذذ بالصوت الإذاعي وهو يُخالطه كثيرٌ من التشويش، المُذيع يبذل جهدًا كبيرًا ليصل إلى أذني، ذلك عندي أجمل بكثير من نقاء ال FM، رغم الثورة الإعلامية التلفزيونية إلا أن أذني تتوقف كثيرًا عند (هنا لندن)، رغم إحساسي في السنوات الأخيرة أنها فقدت رونقها بانضمام كثير من إعلامييها العرب والذين يُمارسون عملهم وفق طائفيتهم أو مُجاملة لحكوماتهم، فقدت كثيرًا من أناقة الإنجليز وصرامتهم في إيصال المعلومة.

ختامًا «أيها الإخوة المُواطنون» كل عام وأنتم والإذاعات بألف خير.

 

Twitter:khalifa624

اقرأ أيضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق