fbpx
كتاب الراية

في محراب الكلمة.. منجم الخبرات

كثير من الزعماء وقادة المنظمات السابقين تحوّلوا إلى مستشارين ومحاضرين ليقدموا خلاصة تجاربهم

وقع نظر رئيس في إحدى المنظمات على عنوان كتاب جديد في الفكرة والمضمون، فطلب اقتناء نسخة من هذا الكتاب. وإذا المفاجأة بأن مؤلف هذا الكتاب هو أحد أفراد فريق العمل معه، إذ كيف لم يستكشف المزيد عن تفاصيل أصحاب الخبرات وما لديهم من إمكانات.

قيل قديمًا: «إن أجهل الناس بالعالِم هم أهله»، إذ إن أهل الخبرات المتراكمة والاختصاص، ومن أمضوا أعمارهم في مجالات اختصاصية حتى خبروها وجربوا منعطفاتها وعصفت بهم رياحها وكثرت أخطاؤهم واستفادوا منها في تحقيق أعلى معدل من الخبرة والممارسة، هم أنفسهم من تنقب عنهم وتعتمد عليهم الكثير من الدول والمنظمات في تحقيق نجاحها وتألقها.

يتردد بين أوساط العلماء مقولة «من كان شيخه كتابه كان خطؤه أكثر من صوابه»، وفي هذه المقولة دلالة على أن القراءة والاطلاع والتزوّد من المعرفة ليست كافية، بل لا بد من طرق أبواب الخبراء وأهل المعرفة والممارسين في مجالاتهم المختلفة، فما لم يمكن الحصول عليه في بطون الكتب نجده عند أصحاب التجارب والخبرات ومجالسة العلماء وأصحاب الكفاءات من أجل اختصار الطريق وتجويد الأداء وتلافي تكرار الأخطاء.

يخطئ الكثير من الدول والمنظمات عندما تجمّد طاقات أصحاب التجربة الذين يصلون إلى مرحلة التقاعد، وتغفل عن الكنز الكبير من الخبرات المتراكمة التي اكتسبوها عبر السنين الطويلة، ويجهلون قاعدة أن «الخبرات لا تتقاعد»، متعللين بذريعة دمج الطاقات الشبابية المتطلعة للإنجاز والنجاح، ولو دمجت بين طاقات الشباب وخبرات الكبار لحققت النجاح الأوفر.

كثير من الزعماء حول العالم وقادة المنظمات عندما انتهت مهماتهم في قيادة تلك الدول والمنظمات أو تقاعدوا عن العمل، تحوّلوا إلى مستشارين ومحاضرين ليقدموا خلاصة تجربتهم في مجالات عملهم، ولا يمكن أن تستغني عنهم مراكز الأبحاث والمؤسسات الرائدة.

في الولايات المتحدة الأمريكية -على سبيل المثال- الشخصيات السياسية والعسكرية والخبرات بضروب الحياة المختلفة لا ينتهي دورهم مع التقاعد أو الخروج من العمل، بل يبدأ دورهم بعد التقاعد من خلال الاستعانة بهم في مراكز الدراسات والأبحاث والجامعات، وأسست مراكز خاصة للاستفادة من خبراتهم ودرجة معرفتهم ببواطن الأمور.

من المؤسف أن نجد في مجتمعاتنا العربية على مستوى الدولة والمؤسسات قامات علمية وشخصيات بارعة انتهى بها المطاف إلى تمثيل دور «مت قاعدًا» بعد وصولهم سن التقاعد، وتم دفن كنوز من الحكمة، ومناجم من الخبرة، والأسوأ من ذلك، تم إهمالهم ووضعهم في درج النسيان.

مهم جدًا أن تستفيد القطاعات المختلفة للدولة وسائر المنظمات من الطاقات الكبيرة التي خدمت وأجزلت العطاء، من الاستشاريين، والخبراء، والمهندسين، والعلماء، وغيرهم من الطاقات العلمية والعملية، ويمكن أن يتم تجميعهم تحت إطار لجنة مؤسسية قانونية يتم من خلالها الاستفادة منهم في عدد من المسؤوليات والمهام، مقابل الحصول على حقوق مجزية، وهو أسلوب يلجأ إليه الكثير من الدول والمؤسسات.

وعلى المستوى الفردي، مهما كان طموحك الأكاديمي أو الوظيفي أو الاجتماعي، فمن الضروري أن تضمن خطتك مصادر الخبرة والمعرفة الحية، بالإضافة إلى مصادر العلوم المختلفة، ومجالسة أصحاب الخبرات المتراكمة في الحياة وسؤالهم واستشارتهم والاستلهام من تجاربهم.

أمر آخر يغفل عنه الكثيرون وهو واجبنا تجاه أصحاب الخبرة والعلم والتجربة والممارسة الذين عركتهم الحياة، فالحب والتقدير والاحترام وأخذ النصائح والمشورة من جانب، ومن جانب آخر واجب الاهتمام بهم وبأوضاعهم ومحاولة الحفاظ على شحنة عطائهم ومواصلة مسيرة النهوض بمنظماتنا بمنهج رصين يستند إلى أفضل الخبرات والممارسات، لنحصد بعدها ثمارًا يانعة على مستوى الفرد والمجتمع.

للعبرة: عليك برأي أهل الخبرة فقد مرّت على وجوههم عيون العِبَر، وتصدّعت لأسماعهم آثار الغِيَر.

خبيرة ومدرّبة في مجال التنمية البشرية والتطوير المؤسسي

[email protected]

العلامات
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X