fbpx
المنتدى

الوباء والسياسة

لا إصلاح تقدمه النخبة المالية عربيًا في ظل تداعيات كورونا

بقلم – توجان فيصل

 يُعرف الوباء بكونه المرض القاتل الذي ينتشر بين شعوب وأمم. والأوبئة لعبت دورًا كبيرًا في السياسة. وأقدم وباء مُسجّل تاريخيًا في العام 430 قبل الميلاد، بدأ في إفريقيا (الحبشة وليبيا ومصر) وانتقل منها لأثينا المُسوّرة قبل بدء حصارها من قبل الإسبرطيين، وكان الوباء أحد أهم أسباب سقوطها بيد مُحاصريها بعد أن قضى على ثلثي سكانها.

والإمبراطورية البيزنطية أضعف جيشَها الطاعون الذي تسرّب له وعبره لبقية سكانه وصولًا للإمبراطور أنطونيوس، فأُسمي «الطاعون الأنطوني».. هذا الطاعون نقله الجيش الروماني العائد من حربه لإمبراطورية «الهون» شمالًا. ولكن الطاعون التالي الذي أضعف الدولة البيزنطية وأسقطها بيد جيوش الفتح الإسلامي هو الطاعون الجستنياني (أيضًا نسبة للإمبراطور الذي أصيب به) الذي تفشّى فيها منذ أربعينيات القرن السادس الميلادي. فيما الطاعون المُسمّى «الموت الأسود» فقد انتقل لأوروبا من آسيا عبر صقلية بحرًا في العام 1347، وعبر الرحلات التجارية البرية شرقًا قبل ذلك، وأصبحت الجثث تملأ الشوارع .. وهذا وحده ما ألزم بهدنة في حرب المئة عام بين فرنسا وبريطانيا، والأهم أنه أضعف «الفايكنجز» وأوقف حروبهم على بقية الشعوب الأوروبية.

واستكشاف الأمريكتين أدى لنقل أوبئة عدة لهما من القادمين الأوروبيين، (الحصبة والجدري والطاعون الدملي)، وكلها، لم تكن لسكان القارتين أية تجارب سابقة معها لتطوير علاجات ولو بدائية، أو تطوير مناعة، وهو الأهم قديمًا، الذي حمى أممًا عدة من أوبئة تتكرر.. فقضى بتلك الأوبئة المُستجدة غالبية سكان القارتين وحلّت محلهما قوى أوروبية استعمارية، ما أدى لكوارث ومُعاناه تاريخية لبشر كُثر لم تنته ليومنا هذا. والمُؤسف، في سياق الحديث عن الأثر السياسي لوباء «كورونا»، أن تحاول بعض الدول الأوروبية الآن أن تقتبس وتطبّق تجربة البيئة الطبيعية البدائية فيما يُسمّى ب»حصانة القطيع».. وهو خيار «سياسي» همّه ضمان تدفق أرباح كبار الرأسماليين التي تضرّرت بسبب الحجر الذي يُفرض لمُقاومة تفشي كورونا.. ومثله نسمع في مطالب حيتان القطاع الخاص في أكثر من بلد عربي جل أبنائه مفقّرون، وموبوء بكورونا بنسب وأعداد تتصاعد.

وفي القرن التاسع عشر الذي شهد قمّة الكولونيالية، في أوائل القرن انتشر وباء الكوليرا في روسيا مُتسببًا بمليون وفاة. ولكن انتقال العدوى لجنود بريطانيين هو ما أدى لنشر الوباء في الهند ومات بسببه ملايين الهنود. ولكن تواجد «بحرية» بريطانيا الإمبراطورية (لكون بريطانيا جزيرة أو بضعة جزر) نقل الكوليرا أيضًا عبر بحار العالم فوصل الوباء لإفريقيا وأمريكا وإسبانيا وإيطاليا وألمانيا وإندونيسيا واليابان والصين مُتسببًا بوفيات هائلة قبل تطوير لقاح للوباء، وأيضًا بعده.

وفي الولايات المتحدة وحديثًا جدًا، استماتت إدارة ترامب في نفي وجود وباء ابتداءً، خدمة لأغراض الحلقة المالية التي ينتمي لها ترامب وجل مُؤيديه، ثم في إهمال الإجراءات المُلحّة لمُقاومته كاللقاحات، ما أدى لوفيات بأعداد كبيرة لا تليق ببلد متقدم. وكونه لم يُجر أي تحسين للتأمينات الطبية للفئات الأضعف اقتصاديًا، وبالتالي الأكثر عُرضة للإصابة بأي مرض أو حادث أو تفاقم الإصابة، يكون تسبّب بوفيات أو أقله بعجز عديد مُواطنيه، كما تقول الآن صحف أمريكية. ولهذا يجدر البحث في كيفية تأثير تلك الإدارة على الحال الوبائي أو نشره في دول لأمريكا، الوارثة لأغلب مناطق نفوذ الإمبراطورية البريطانية، نفوذ فيها.

أما عربيًا، فغالبية الدول مُتضررة من سوء إدارة رأسمالية أسوأ حتى من إدارة ترامب، لكون حقوق المُواطنة فيها «مقصقصة» ومُفصّلة ريعيًا لصالح طبقة حاكمة، فالحال أسوأ. وأوضح مثال نجده في لبنان، ورد فعل اللبنانيين الذي كان البعض يستنكره في بداية الجائحة، بات مفهومًا الآن بعد أن تأكد أن لا إصلاح تقدمه النخبة المالية الحاكمة التي اغتنت من غياب أية أولوية سوى الإثراء.. اللبناني بات الميت الحي . لهذا يأتي الحجر والتباعد كرفاهية بعد قائمة طويلة مُفتقدة من ضرورات البقاء حيًا.. فلا يجوز التنظير على اللبنانيين.

وفي الأردن، بعد وفاة 6 مرضى كورونا – كحد أدنى ثبت ومُعترف به – نتيجة انقطاع الأكسجين في المستشفى الحكومي الرئيس في مدينة السلط اللصيقة بعمّان، لإهمال إداري علوي فادح.. نزلت للشارع مجموعات مُحتجة في عديد مناطق المملكة. ومن الإنصاف بيان أن أعداد المُحتجين أقل ودرجة تباعدهم أكبر من تلك التي تشاهد مُتزامنة أمام دوائر حكومية خدمية أو في مراكز تسوق.. والتزام المُحتجين بالكمامات أعلى. ومع ذلك يتطوع صحفيٌ لاستهجان إنزال مُواطن مُحتج للكمامة عن فمه ليرد على سؤال لمُذيع محطة تلفزيونية عما نزل للشارع بسببه. المواطن، بلا اسم ولا شُهرة ولا فرصة لمُخاطبة مسؤول، وجد فرصة لنصف دقيقة يوصل بها صوته المُمثل لغالبية الشعب، فعمل لتوه وبداهة على أن يصل صوته واضحًا لا أكثر ولا أقل.. لحينه. وهذه اعتبرت مُستفزة لمن لا يعرفون أو يعترفون بأن جذور الأوبئة مغموسة في السياسة تاريخيًا.

كاتبة أردنية

العلامات
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X