fbpx
المنتدى

لكل قاضٍ قصة

فقدت مصر 3 قضاة سابقين .. لكل منهم أحكام ذات دلالة

بقلم  – سليم عزوز

ماتوا فذكرني كل منهم بحكم أصدره، كان لكل حكم فيها دلالة مهمة !

ففي شهر واحد فقدت مصر ثلاثة من القضاة الكبار السابقين، المستشار محمد الحسيني رئيس مجلس الدولة الأسبق، والمستشار مقبل شاكر رئيس مجلس القضاء الأعلى الأسبق، ثم المستشار طارق البشري الذي لم يشغل منصب رئيس مجلس الدولة سابقًا، الذي كان أكثر من قاضٍ، وأكبر من مُفكر، فقد كان ممن يجوز القول فيهم إنه كان أمة.

لعل المُدهش، أن المستشار مقبل شاكر كان من الذين شملتهم مذبحة القضاة في عهد عبد الناصر، وهو الاسم الذي أطلق على هذا الإجراء، الذي بمقتضاه أُخرج مئتا قاضٍ في سنة 1968 من الخدمة، لأنهم وقفوا ضد رغبة الرئيس الأسبق في إخضاع القضاة لهيمنة السلطة، فكان أن أصدر الرئيس قانون السلطة القضائية، واعتبر القضاة بمقتضاه أنهم بحاجة إلى إعادة اختيارهم من جديد، بقرار من الرئيس، فعين الجميع إلا هؤلاء الذين خرجوا في هذه الحركة التي سُميت مذبحة.

وفي عهد السادات نظرت محكمة النقض «دائرة القضاة» في القرار، ورغم أنه من أعمال السيادة، إلا أنها تعاملت معه على أنه قرار إداري يجوز لها التصدي له، ومن ثم قضت بعودة هؤلاء جميعًا لأعمالهم القضائية، وقد عاد من يريد، بينما استمر البعض في مهنة المحاماة.

وكان من بين الذين رفضوا العودة، ممتاز نصار، وفريد الديب «يا للعجب»، والأول التحق بالمعارضة وكان صوتها العالي في البرلمان، وقد انضم لحزب الوفد الجديد، أما الثاني فقد صار أكثر رغبة في الاقتراب من السلطة وأضوائها، وإن لم تُمكنه من أن يكون من رجالها، وبدا كما لو كان ليس من الذين وقفوا في طريق هيمنة عبد الناصر على القضاء، ونيل السلطة من استقلاله.

وبدا لنا المستشار «مقبل شاكر» أقرب لفريد الديب منه لممتاز نصار، وقد صار رئيسًا لنادي القضاة، لكن تيار الشباب برئاسة المستشار زكريا عبد العزيز أسقطه، وسط دهشة المُراقبين، وهو الجيل الذي قاد انتفاضة القضاة في وقت لاحق ضد نظام مبارك.

وكان التحوّل الآخر في تاريخ مقبل شاكر، عندما كان يرأس هيئة المفوضين بمحكمة النقض، وأصدر تقريرًا مفاجأة لمن يحسبونه على السلطة بإلغاء حكم محكمة الجنايات بسجن خمسة من الزملاء بجريدة «الشعب» المُعارضة، يومئذٍ قال البعض، إنه أصدره نكاية في السلطة، التي أمدّت للقضاة لسن السبعين، ما سيؤثر على ترقيته هو ليكون رئيسًا لمحكمة النقض، لكن في النهاية فإن ما أصدره مجرد تقرير استشاري وليس حكمًا، ومن استفاد من قانون الحكومة بالمد، ألغاه بحكم أيد حبس الزملاء.

نفس الأمر حدث مع المستشار محمد الحسيني رئيس محكمة القضاء الإداري، الذي أصدر حكمًا في عهد مبارك أيضًا بعدم جواز إحالة المدنيين للقضاء العسكري، واعتبره المستشار سيد نوفل رئيس المحكمة الإدارية العُليا نكاية فيه، وقد كان ثالث ثلاثة تم تعديل قانون السلطة القضائية بمدّ سن الإحالة للمعاش من (67) عامًا إلى سبعين عامًا، وقد تندر في جلساته الخاصة بأنه لم يترك الحكم ليُربعن، أي ليستمر أربعين يومًا، فحدد موعدًا سريعًا لنظر الطعن فيه ومن ثم ألغاه، وأسرّها مبارك في نفسه، فلم يستفد سيد نوفل من قانون المدّ، فقد مات، تمامًا كما لم يستفد أحد من رؤساء المحاكم الأخرى منه لذات السبب، وحلّ الدور على المستشار الحسيني.

وفتشت السلطة في دفاترها القديمة، وكان المعمول به وفق التقاليد أن يتم الاختيار على قواعد الأقدمية لرؤساء الهيئات القضائية، وإن ظهرت المخالفة لأول مرة فيما يختص بتعيين رؤساء للمحكمة الدستورية من خارجها.

بعد التفتيش عثروا على المستشار نبيل ميرهم، وكان مُصابًا بالعمى، منذ سنوات طويلة وتوقف عن ممارسة العمل القضائي، ولم تكن لديه رغبة في أن يكون في هذا المنصب، واجتمع المجلس الخاص بمجلس الدولة ورشح للرئاسة المستشار الحسيني، الذي كان قد أصدر حكمًا جديدًا بالإفراج عن المُعارض المصري أيمن نور لأسباب صحية، وهدد مبارك إن لم يرسلوا اسم المستشار نبيل ميرهم، فسوف يستخدم صلاحياته القانونية ويتجاوز التقاليد ويختار أصغر مستشار بمجلس الدولة رئيسًا لها، وبعد أخذ ورد، رضخ المجلس الخاص، وجاء الدور على المستشار الحسيني، واعتمد مبارك اختياره على مضض.

وكان نظام مبارك قد استخدم سياسة البحث في الدفاتر القديمة مع المستشار طارق البشري، فعندما حلّ عليه الدور في التسعينيات لشغل موقع رئيس مجلس الدولة، وفق تقليد الأقدمية، بحثوا وعثروا على الأقدم، وكان هو المستشار علي الخادم، الذي كان مُعارًا منذ سنوات طويلة في واحدة من دول الخليج، وقد رتب أموره على الاستمرار، وقادت معه السلطة مفاوضات طويلة حتى تقنعه بالعودة ليفوّت على المستشار البشري فرصة تولي المنصب!

وكان البشري قد أصدر حكمًا مثل علامة فارقة في تاريخ الحياة الحزبية في مصر، إذ كانت السلطة قد بدأت في اتجاه إبعاد بعض رؤساء الأحزاب بإحداث خلاف مُفتعل داخلها على الرئاسة، وكان البداية بحزب مصر الفتاة، وتدخلت لجنة الأحزاب وعينت أحد المُتنازعين على رئاسة الحزب رئيسًا، وكانت في طريقها لعزل إبراهيم شكري رئيس حزب العمل، وبينما الحزب يحشد الرأي العام لمنع اللجنة من الإقدام على هذه الجريمة، وبدا الأمر للمراقبين، أنها محاولة ميؤوس منها صدر حكم القضاء الإداري، بأن لجنة الأحزاب ليست أكثر من لجنة إدارية، لا يجوز لها الفصل في الخلاف بين المُتنازعين، فليست أكثر من لجنة تلقي إخطارات، ولم يرتب لها القانون الحق، في الفصل فيها.

وهو الحكم الذي استند إليه حزب العمل بعد عشر سنوات في إلغاء قرار لجنة شؤون الأحزاب بتجميده بحجة وجود من ينازع إبراهيم شكري على رئاسة الحزب، وهو الحكم الذي استندت إليه أنا أيضًا بعد أربعة عشر عامًا لإلغاء قرار لجنة شؤون الأحزاب بتنصيب أحد المُتنازعين على رئاسة حزب الأحرار، رئيسًا للحزب.

رحم الله الجميع.

 

كاتب وصحفي مصري

[email protected]

العلامات
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X