fbpx
كتاب الراية

في محراب الكلمة …. النزاهة المهنيّة

النزاهة سلوك أخلاقي وقيَمي قبل أن تكون التزامًا وظيفيًا

في أغسطس من العام الماضي نَجت شركة تسلا الأمريكية لصناعة السيارات من هجوم إلكتروني، كان الغرض منه الابتزاز والحصول على فدية مالية، وذلك بفضل نزاهة موظف رفض رشوة مقدارها مليون دولار. بدأت القصة بطلب قرصان إلكتروني روسي من الموظف في تسلا التعاون معه بزرع برمجيات ضارة في نظام الحاسوب الداخلي في أحد أجهزة الشركة، لكن الموظف سارع في إبلاغ الشركة عن القصّة وبدورها أبلغت مكتب التحقيقات الفيدرالي وانتهى الأمر باعتقال القرصان الروسي أثناء محاولته مغادرة البلاد.

قد يعتقد البعض عندما يسمع عن موضوع «النزاهة» أن الأمر مرتبط فقط بنظافة اليد والبعد عن الاختلاسات والتزوير والالتزام بالأنظمة والقوانين، لكن الأمر أكبر من ذلك بكثير فالنزاهة سلوك أخلاقي وقيَمي قبل أن تكون التزامًا وظيفيًا وماليًا.

يقول الكاتب الأيرلندي سي آس لويس «النزاهة هي أن تفعل الأمر الصائب حتى عندما لا يراقبك أحد». وعندما نتتبّع المعنى اللغوي للنزاهة سنجد أنها تعني الصلاح الداخلي والبعد عن السوء والترفّع عن القبائح، وهي قيمة عظيمة للفرد المسلم في منظومة المجتمع بشكل عام، ومنظومات الأعمال بشكل خاص.

وفي الوقت الذي تضع الدول والمنظمات النزاهة الوظيفية في قائمة الاهتمامات وتحث عليها كافة أفرادها، هناك جانب آخر من النزاهة الذاتية وهي نزاهة السلوكيات العامّة والأخلاقيات الشخصية، وهي سلوك ومسؤولية تنبع من الداخل وإذا لم يكن هناك وازع ذاتي تصبح قوانين الرقابة ذات تأثير محدود.

ومما لا شك فيه أن المعنى الآخر المناقض للنزاهة هو الفساد والعبث بالوظيفة العامّة والخاصّة، وهو الذي كلّف الدول والمنظمات الكثير من الأموال، والأوقات والممتلكات والسمعة، وهو الأمر الذي يجعل من النزاهة قيمة أخلاقية ووظيفة عُليا.

وعندما أصبح الفساد والتلاعب بالوظيفة خطرًا محدقًا على الدول، اتجهت إلى إنشاء هيئات خاصّة لمكافحة هذا السرطان الذي يتسرّب بين الموظفين ويتفشّى حتى يوشك أن يصبح عادة وظيفيّة بعد أن كان جُرمًا وفضيحة.

ومما يحزّ في النفس أن تجد في بعض المجتمعات العربية من يطلق على الموظف الفاسد وصفَ «الشاطر»، وعلى العكس يصفون الموظف النزيه بالشخص غير النافع لنفسه ولا لغيره، وهذا معيار خطير يجعل من الفساد سلوكًا مقبولًا والنزاهة شرفًا لا قيمة له.

والحقيقة أن النزاهة ليست مطلبًا واجبًا على موظف بعينه أو مدير بحد ذاته، بل هي مسؤولية والتزام أخلاقي وقانوني على جميع الموظفين من أعلى هرم المنظمة إلى أدناها.

والأهم من ذلك أنها مسؤولية المجتمع بأكمله كلّ بحسب مجاله ومسؤوليته، فتبدأ النزاهة من النظام التعليمي الأساسي وما بعده، مع بيئة الأسرة، حيث يتشكل ذهن الطفل ويتربّى على القيم والسلوكيات ويجعل من النزاهة في كل شيء قيمة لا يمكن الحياد عنها. وقد أحسن الفيلسوف الصيني «كونفوشيوس» عندما قال: «البيوت النزيهة أساس الأمم القوية».

مدير صارح موظفيه بمخاطر تحيط بالشركة وحثهّم على الدفع بالحلول هذه نزاهة، موظف وجد الجليد ينهار فسارع في الإصلاح وأبلغ مسؤوليه بالخطر، نزاهة، زميل رفض الإساءة لزميله مقابل حصوله على مكاسب مادية ومعنوية، نزاهة، معلم يجتهد على أن تصل المعلومة بشكل سليم إلى كل طلابه، نزاهة، إتقان العمل في الوظيفة، نزاهة، حفظ أسرار المهنة، نزاهة، الانضباط بأوقات الدوام، نزاهة.. وعلى هذا فَقِس.

ومن الخطورة في موضوع النزاهة أن المنظمة قد تصبح مسؤولة عن تصرفات موظف وحيد أخَلّ بمسؤوليته تجاه مبدأ النزاهة، ما يطيح بكيان المنظمة ويزيد من المخاطر المتعلقة بالسمعة والمخاطر القانونية والتشغيلية والمالية.

ولذلك من المهم أن تسعى المنظمات إلى تقويم نزاهتها، واتخاذ تدابير تضمن التزام قيادة المنظمة وكافة العاملين فيها، ويمكن أن تنعكس على شكل مدونات سلوك، وبرامج الامتثال، والعناية الواجبة، والتحقق الاحترازي، وهي إجراءات احترازية لمساعدة المنظمة في مواجهة إساءة الاستغلال، واستكشاف أي خطر محتمل قبل وقوعه أو تفشّيه.

كما ينبغي على المنظمات أن تسعى إلى غرس النزاهة في نفوس أفرادها حتى يتحوّل إلى سلوك ذاتي، ويتم ذلك من خلال التوعية والتثقيف والتدريب والممارسة والتشجيع والمكافأة وممارسة النزاهة كسلوك قيَمي بين جميع أفراد المنظمة.

لمحة: قال أعرابي: عِزُّ النَّزَاهَة، أشرف من سرور الفائدة.

خبيرة ومدرّبة في مجال التنمية البشرية والتطوير المؤسسي

[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X