كتاب الراية

خواطر.. كمامات أخرى

في حياة كلّ منا معارك قد نواجهها بصمت حين يكون الكلام واجبًا

قيل إنه يُستَدّل على عقل الشخص بقوله وعلى أصله بفعله.
لذا فالصمت هيبة تواري ضحالة التفكير وقلة المعرفة، والصمت حكمة في نقاشٍ لا هدفَ منه سوى إثبات جهل الآخر، كما أن الصمت جهادٌ في مجالس الغيبة والنميمة والانسحاب منها انتصار.
أما الصمت عن الحق والظلم فهو انكسار، والصمت حين يُدلي أحدهم بشهادة زور توقع الظلم على المظلوم وتبرئ الظالم يعتبر جريمة، فالساكت عن الحق شيطان أخرس، ونصرة المظلوم واجبة إن كنّا على يقين بالحقيقة.
كثيرًا ما نكونُ ملجأً لشكوى البعض، تلك الشكوى التي لا تتعدّى التنفيس والفضفضة، عندها يكون حُسن الإنصات باهتمامٍ خير علاج لهؤلاء، فالتعاطف وامتصاص الغضب خيرٌ من التأنيب والتأويل، خاصة إن كانت المعاناة تتعلّق بذوي القُربى، أما النُصح والتوجيه فيُعطى لمن طلبه دون مَنٍّ وأذى، فإن أراد اتّباع النصيحة فهذا شأنه، وإن لمْ يُرِد فهو أدرى بحاله، ولنكفّ عن متابعته وسؤاله كي لا يندم، المهمّ أن يشعر أننا نريده أن يكون بخير.
علم النفس الحديث يعتبر ما سبق طاقة سلبيّة يرميها المُشتكي عبئًا علينا، بينما هي وقفة إنسانية من طرف المُستمع ولن تكلفه سوى الاحتواء وحفظ السر، كما أنها تشير إلى ثقة الآخر بنا وارتياحه لمجالستنا، الإنصات للمُشتكين يجبر الخواطر ويجلب لنا شعورًا إيجابيًا إن كنّا سببًا في ارتياحهم.
أمّا عن الاستماع فيحتاج لفلتر يُنقّي الكلام من شوائب الأحاسيس المغلوطة والمُبالغ بها، فليس كل ما يُقال صحيحًا، كما أن ردود الأفعال تختلف من شخص لآخر.
أحيانًا نعلم أن الأمر لا يستحق كل هذا التضجر والتألم، لكننا ندرك أن هناك أسبابًا لا تُقال ولا تُشتكى لشدة خصوصيتها وسرّيتها، لذا نراعي المجازات ونحترم التواري خلف تعليل قد نراه تافهًا، دون التقليل من شأن المُتألِم أو تسخيف مشاعره.
فقد تكون وظيفته مصدر ألَمِه ولا غنى لأحدٍ عن لقمة العيش، وقد يكون في أحد أحبته شوكة لا يستطيع منع وخزها، وقد يكون بأفضل حال ونحتاج لتذكير أنفسنا ومن نحب بأننا بألف خير.
في حياة كل منا معارك لا يعلم بها إلا الله، لكن المُشكلة أننا قد نواجهها بصمت حين يكون الكلام واجبًا، وننسحب منها حين يكون النقاش ضروريًّا والوقت في صالحنا، التوقيت طوق نجاة، والكلمة الطيبة حكمة الحياة.
الصمت والكلام مِنَحٌ سامية، لنا أن نجعلها مكافأة أو عقابًا لمن يستحق وفي التوقيت المُناسب، في الصمت سلام نفسي ومناجاة صادقة واعتكاف مع الذات، ذاتنا التي تستحقّ وقتنا ورضانا وغفراننا لأنفسنا.
أما في زمن الجائحات والكوارث والفتن، فالصمتُ أصدقُ أنباءً من منابر التواصل الاجتماعي.
نحتاج لكِمامات تحجب عنا أصوات الجهلة والمُغرضين، نحتاج لتكميم أفواهنا عن تناقل الإشاعات وآذاننا عن سماع الأخبار الكاذبة، الصمت حصانة لمن استطاع لذلك سبيلًا.

[email protected]

العلامات
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X