fbpx
كتاب الراية

أسعار النفط .. هل تستمر في الصعود ؟

انخفاض نمو الطلب لا يعني بالضرورة تراجع أسعار النفط

هل تكون آخر طفرة في ارتفاع الأسعار ؟

تلقيت رسائل بريدية عديدة من القرّاء يسألونني عن ارتفاع سعر النفط، وما مدى استمرار صعوده ونمو الطلب على النفط ومشتقاته، وفي هذا المقال سأتطرق لهذه المواضيع ذات الصلة بسوق النفط.
توقع بعض المُحللين أنها الطفرة الأخيرة بسبب ارتفاع سعر النفط مؤخرًا، وتساءلوا هل تستفيد دول الخليج منها، والمُنتجون الآخرون في منظمة أوبك؟.
الافتراض المُبطن هنا أن الطلب العالمي على النفط بلغ ذروته، أو أن بلوغ ذروته يكون قريبًا.
ورغم أن هذا الافتراض مقبول في الأجواء الحالية ضمن وسط سوق النفط، ورغم توفر عدد من الأدلة الدامغة بعدم صحته، إلا أن هناك خمسة تحديات تقتضي رفض آراء هؤلاء المُحللين أو الباحثين.
الأول، أن هناك فرقًا بين انخفاض معدلات نمو الطلب على النفط، وانخفاض الطلب على النفط، والثاني، أن انخفاض نمو الطلب على النفط أو انخفاض الطلب نفسه لا يعني بالضرورة انخفاض أسعار النفط، والثالث، أن انخفاض الطلب العالمي على النفط لا يعني بالضرورة انخفاض الطلب على النفط الخليجي، كونه الأقل كلفة في العالم.
الرابع، أنه مهما كان الطلب على النفط مستقبلًا، فإن معدلات النضوب تقتضي استثمار مبالغ هائلة، وهذه الاستثمارات لن تتم إلا إذا كان هناك عائد مُجزٍ منها، وهذا لا يتم إذا كانت أسعار النفط مُنخفضة.
الخامس، أن التكنولوجيا تتقدم في كل المجالات والاتجاهات، وفي مجالَي العرض والطلب في الوقت نفسه. مثلًا، في الوقت الذي تحسنت فيه كفاءة استخدام الطاقة بشكل كبير، بسبب التكنولوجيا المُتنوعة.
باختصار، في الوقت الذي تُحجم فيه التكنولوجيا الطلب على الطاقة من ناحية، تزيده من ناحية أخرى، لهذا فإن فكرة انخفاض إيرادات دول الخليج مستقبلًا بشكل كبير غير صحيحة.
تشير الوثائق التاريخية إلى أن الهدف من إنشاء «أوبك»، هو تخليص الدول النفطية من الاعتماد على إيرادات النفط، ويتم ذلك عن طريق التعديل الدائم للإنتاج، بحيث يوائم الطلب ويحقق سعرًا معقولًا لمصدر ناضب، ومن ثم يتم استخدام الإيرادات لتحقيق تنمية اقتصادية يتم من خلالها تنويع الاقتصاد وإنهاء الاعتماد على واردات النفط.
إذًا، فكرة الاستفادة من إيرادات النفط والتخفيف من دور النفط في الاقتصاد كانت وما زالت الشغل الشاغل لمسؤولي دول الخليج، وهناك أسباب كثيرة منعت هذه الدول من تحقيق الهدف المنشود، بعضها كان من الممكن تجنبه وبعضها لا يمكن تجنبه، ولا يمكن شرح الوضع في الخليج بظاهرة «المرض الهولندي» أو «نقمة النفط» لوجود خصائص عدة في دول الخليج غير موجودة في الدول الأخرى.
وفي ظل ارتفاع أسعار النفط يعني أن الباحثين ما زالوا ينظرون إلى دول الخليج بعقلية السبعينيات، مُتجاهلين عوامل تاريخية عدة، ومتجاهلين القفزات الضخمة التي قامت بها دول الخليج خلال الـ 50 سنة الماضية.
الرؤية القاصرة لأسعار النفط
يتحدد سعر النفط في السوق عند تساوي الكمية المطلوبة مع الكمية المعروضة بغض النظر عن هيكل السوق، وانخفاض الطلب على النفط من دون انخفاض العرض، يعني بالضرورة انخفاض أسعار النفط، وهذا الانخفاض في الأسعار سيُجبر المُنتجين مرتفعي الكلفة على الخروج من السوق أو خفض إنتاجهم، وانخفاض العرض يعني بالضرورة ارتفاع الأسعار، وهذا يعني أن من يقولون بانخفاض الأسعار ينظرون للمرحلة الأولى فقط، ولا ينظرون إلى المراحل التي بعدها.
أسواق النفط ليست بالبساطة المذكورة أعلاه، فإذا كانت هذه الأسواق تتمتع بالمنافسة، فإن السعر سيتحدد بحسب الكلفة، وهي عالية، وقد تتجاوز 50 دولارًا للبرميل في حال انخفاض الطلب على النفط، وتتجاوز 65 دولارًا إذا لم ينخفض، وهذا يعني أن الأسعار ستكون مرتفعة نسبيًا على الرغم من انخفاض الطلب على النفط، إلا أن أسواق النفط لا تتمتع بالمنافسة، فهناك قوانين صارمة وضرائب عالية في الدول المُستهلكة، كما أن الدول المُنتجة تقوم بتغيير الإنتاج بما يناسبها، فإذا انخفض الطلب على النفط تقوم كبار الدول المنتجة بخفض الإنتاج ومن ثم ترتفع الأسعار.
خلاصة الأمر، أن انخفاض الطلب على النفط في المدى الطويل لا يعني بالضرورة انخفاض أسعار النفط، ومبني على فكرة انتشار السيارات الكهربائية مستقبلًا، والمشكلة أن استشراف وكالة الطاقة الدولية و»أوبك» يبيّن أن أكبر انخفاض في الطلب على النفط لن يكون من السيارات الكهربائية، ولكن من تحسن كفاءة سيارة البنزين والديزل.
ولا يعني انخفاض الطلب نفسه بالضرورة انخفاض أسعار النفط، بل قد ننتهي بوضع يكون فيه الطلب والعرض أقل والأسعار أعلى، وإيرادات النفط أعلى.. لماذا؟
علينا أن نتذكر أن انخفاض الطلب العالمي على النفط لا يعني بالضرورة انخفاض الطلب على النفط الخليجي بالنسبة نفسها، وقد لا يعني انخفاض الطلب على النفط الخليجي أصلًا بسبب انخفاض الكلفة.
وفي الحقيقة، أنه مهما كان الطلب على النفط عام 2050، فإن هناك حقيقة واضحة، وهي أن كل النفط الذي سينتج وقتها سيكون من استثمارات جديدة بسبب مُعدلات النضوب، وهذا يتطلب استثمارات وخبرات ضخمة، ومن ثم فإن النتيجة الحتمية هي أن أسواق النفط ستستمر بالتقلب كما هي في الماضي، وعلى دول الخليج والدول المُنتجة للنفط العمل جاهدة على تخفيف أثر التقلبات في اقتصاداتها بوجود البدائل. ويقع العبء على بقية العالم مثل الهند، للبدء في اللحاق بالطلب، لأن الصين لا تستطيع أن تستهلك بشكل أسرع بكثير مما تفعله الآن، لقد تجاوزت بالفعل أرقامها، لعام 2019، وتنمو بوتيرة استثنائية تفوق التوقعات.

خبير في النفط والغاز واستشراف مُستقبل الطاقة

[email protected]

العلامات
اقرأ أيضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق