fbpx
كتاب الراية

خواطر.. بلا حَرَج

عادةً ما يُغني الأدب وقلّة الفضول عن السؤال والعتاب والأعذار

من المعروف أن كرم الأخلاق والتواجد الإيجابي الفاعل للصُّحبة الصالحة في اليُسر والعُسر يُولّد المحبة والولاء، لكنه قد يرفع لدى أحدهم سقف التوقعات بلا حدود منطقية، وهذا ليس عيبًا في الشخصية المعطاءة بقدر ما هو مساحة رحبة تتيح مجالًا للتجاوز بشكل يُعكّر صفو العلاقة، لأن أدب التغاضي قد يُفسَّر بالتمسك بالعلاقة وعدم الاستغناء عن الآخر، مما يُكوّن لديه شعورًا بالاستحقاق لدرجة إشعار أصدقائه بالذنب كلّما حاولوا المحافظة على مساحتهم الخاصة.

تربينا على مبدأ التمس لأخيك عذرًا فلا أحد يعلم حقيقة ظروف الآخرين وما تغيّر في حياتهم، لكننا نُدرك أن دوام الحال من المُحال، ولكلٍّ منا اعتباراته الخاصة وطريقته في الأخذ والعطاء ضمن مسؤولياته في الحياة، لذا كثيرًا ما نلتزم الحياد إذا اختلف صديقان ولا نحكم عليهما، بل نُصلح بينهما ضمن خبرتنا بالطرفين.

وبشكل عام من الصعب الاستمرار بما تربينا عليه من الاحترام لمجرد التعقّل في مداراة السفهاء لأن ذلك سيؤدي لتوتر لا تُحمد عقباه، لقد مللنا من «فلان أكبر منك.. عيب»، وهذا أصغر منك يجب أن تحتويه، وهذا عصبي استحمله وذاك حساس انتبه وجامله.. أين حدود التعامل التي يجب ألا يتخطاها الجميع؟ العمر قصير ونحن نكبر وقدرتنا على التحمل تقل، خاصة ممن لا يكترثون ويظنون أن لهم كل الحق وأنهم دومًا على حق.

عادةً ما يُغني الأدب وقلّة الفضول عن السؤال والعتاب والأعذار، لمن يصغي بعينيه وجوارحه دون تعليق أو تأنيب إلى أن يتجسد المشهد بكل جوانبه.. لا له فحسب، بل للراوي الذي يبحث عن ذاته بين طيّات السرد.

ينعم أحدهم بهالة من الودِّ والحكمة تُلقي التحية والسلام لمجالسته، يحيط الجميع بالاهتمام والاحتواء، فيكون قُطبًا يجذب الأصدقاء للحديث والفضفضة بلا استفزاز، فيرتقي بهم عن خيبات الأمل، ويغادرونه بارتياح وتفاؤل بعد أن يطغى عبق بخوره على ما تناثر من الأفواه في حضرة الأسرار.

مثل هؤلاء نادرون، فإن حظينا بمثلهم تمسكنا بصحبتهم لعشرتهم الطيبة ولما يجلبونه لنا من راحة نفسية، ولكننا نُحْسَد على الأصدقاء كما نُحْسَد على الإخوة والمال والعلم والعيال والسمعة الطيبة، ولا تخلو الدنيا من الغيرة التي قد تدفع الآخرين لنثر بذور التحامل والتنفير، دون التفكير بأبعاد تعكير صفو العلاقات، وإطاحة أحدهم بظُلْمٍ قد يصعب رفعه عنه لاحقًا، خاصة إن كان الواشي مُتعمّد الأذى.

الانسحاب من بعض العلاقات أفضل من التندر في أسباب تعكيرها، لأن البحث عن منكاش الشر سيخلق فجوة أخرى تنتهي بضرر أكبر، كما أن التبرير مرْهِق ويجعل الإنسان في حالة دفاع عن النفس بلا ذنب يُذكر، لذا فالانسحاب السِّلمِي من العلاقات المؤذية خطوة للأمام لا للخلف.

[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق