fbpx
كتاب الراية

تحت المجهر.. من تَمنطَقَ .. فقد تَزندقَ!

لا يمكن فصل الفلسفة عن باقي ميادين نشاط العقل الإنساني

يعتقد عددٌ من العلماء والفلاسفة والمُفكّرين، أن من أهم أسباب تراجع الفكر العربي والإسلامي وعدم تطوره -كما تطور الفكر الأوروبي الحديث- هو تبني هذا الشعار الموسوم لهذا المقال، الذي أطلقه الفقيه «ابن الصلاح الشهرزوري»، وذلك في مُواجهة الفلسفة. وفيما بعد، تبنى، عبر التاريخ، فقهاءٌ آخرون هذا الخطاب، واتخذوه سلاحًا ومنهاجًا، في دفوعاتهم عن «الإيمان» وصحة «العقيدة».. وحفظهما من الانحراف والشيطنة والكُفر.. فيما كانوا يتصورون.

إلاّ أن الخاسر في تلك المُواجهة لم يكن سوى «العقل الإسلامي» ذاته.. ببنيته ومُخرجاته وإنتاجه، وخسر بالتالي معركته الحضارية الأخرى في أول مُواجهة مع العقل الحداثي الأوروبي، الذي أخذ بالفلسفة إلى أقصى حدودها، واستفاد منها في تأسيس مرجعيته الفكرية والعلمية، التي بدأت من عصر النهضة.. موصولةً بالثورة الصناعية، ثم الثورة الرقمية في العصر الراهن.. وهو مُستمر في مُراجعاته الفكرية، من حين لآخر، وعند كل أزمة وكل عقدة. فلا يعيب هذا العقل أن ينقد ذاته من داخله، ويُحاور فكره بفكر، ونقد مقابل فكر، ونقد في مُواجهة نقد.

بينما عندنا، اختلف الأمر، فعندما غابت «الفلسفة»، غاب «العقل النقدي»، وتراجعت «الحُرية الفكرية»، وكان حَتميًا الانهزام أمام أي فكر حداثي قادم من الخارج.. فالمعركة منذ الوهلة الأولى، كانت خاسرة، والمُنتصر معروف.. لاختلاف الأدوات والأسلحة.

كما كان من الطبيعي الوقوع تحت سيطرة «العقل التراثي»، الذي طالما تحكم بالوعي الجمعي، مدعومًا بالسلطة السياسية التي رأت تناغمها وتحالفها مع الأيديولوجية الدينية، حيث رأت الأخيرة أن في جعبتها تفويضًا تاريخيًا بالتحدث رسميًا باسم التراث، والأصالة وحاميتهما، وما خلّفه السلف من إرث.

لكن لماذا «الفلسفة»؟. الجواب ببساطة: لأن الاهتمام بالفلسفة يأتي من باب وحدة الظواهر البشرية، وأن التأثير المُتبادل بين هذه الظواهر مُوجود، فهناك تأثير للفلسفة في العلم، وللعلم في الفلسفة. ولا يمكن فصل الفلسفة عن باقي ميادين نشاط العقل الإنساني، لأن الذهن البشري يكون وِحدة مُتكاملة. والتاريخ البشري يُسجّل أن تطور «العلم» يحدث في خط موازٍ لتطور «الفلسفة». وهذا واضح في الحالة الأوروبية بنكسة الفلسفة في العصور الوسطى..

غابت شمس الفلسفة عندنا.. فغاب التفكير العقلاني، وغابت العلوم.. فدخلنا في ليل سرمدي لا نرى أمامنا طريق الخروج من مِحنتنا.. وأقفلت الأبواب علينا، والنوافذ.. ووضعت على العقول المتاريس. ولم نُعد نرى الأنوار.. ولم يعد الدفء يُلامس جسدنا البارد، ولا تصل إلينا الأفكار النورانية التي تتحرك خارج دائرتنا الضيّقة التي حبسنا أنفسنا فيها.

عِشنا، وما زلنا نعيش «الاغتراب».. وفقدنا «الهوية» الجامعة كعرب ومُسلمين لهم رسالة خالدة.. وأصبحنا هويات مُتعدّدة مُتناثرة مُتخاصمة.. نبني فيما بيننا أسوارًا، من شراييننا المقطوعة، وتُهنا في صحارى عقولنا الجرداء التي أصبحت تفكر على النهج «الهيجلي» وتصيح صيحته المشهورة «أنا أفكر أنا غير موجود..». وما خرج من فكر يؤكد عدم وجوديته وتنامي غربته.. فنحن موجودون جسدًا.. لكننا مُغيبون فكرًا…

ويزداد تساؤلنا بعدها: هل ما زلنا نحتفظ ببعض الهوية؟. أنجدها في لغتنا العربية، أم في مواقف رجالنا، أم فيما تبقّى من القيم الإنسانية التي دُسنا عليها.. وأقمنا العزاء لها.. عندما أشعلنا حروبنا البينية العبثية..

وهل بقيَ من «منطق» بعد كل الذي نراه أمام أعيننا من بقايا: «القيم» تتحطم.. ومن تماسك «الأخوة» وهي تُقَطّع وتُنتهك..

ومن «الجِيرة» تُخان.. ومن «العروبة» تُستباح.. ومن «التاريخ» تُمحى.. ومن «الجغرافيا» تُسلّم للعدو طواعية وباستسلام كامل..

أليست هذه.. وذاك.. وتلك.. زندقة ما بعدها زندقة.. وكُفرًا.. وخروجًا على صحيح الدين.. والإسلام.. والملة.. وكل المبادئ الإنسانية؟.

[email protected]

twitter:@DrIbrahim60

اقرأ أيضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق