fbpx
كتاب الراية

من نافذة التاريخ والواقع.. اليوم الأخير للحكم العربي في زنجبار

عام ١٩٩١ زار مسقط رئيس حكومة تنزانيا سالمين عامر وقدّم اعتذاره للسلطان قابوس عن مجزرة تلك الليلة

بعد الانتصاراتِ الكبيرةِ للعُمانيين وتحرير بلادهم من براثن الاحتلال البرتغالي حضر وفدٌ كبيرٌ من أعيان زنجبار إلى بِلاط الإمام سلطان بن سيف اليعربي، يَطلبون منه تخليصهم من الاحتلال البرتغاليّ، لم يتردد الإمام في نجدتهم، وأرسل السفن وحرّر تلك المناطق من احتلال بغيض، بعدها طلب أهل زنجبار البقاء تحت النفوذ العُماني. تواجُد العُمانيين في زنجبار لم يكن احتلالًا بل برضا وبطلب من أهلها.

١٧٤٤ ورثت دولةُ آل سعيد كلَّ النفوذ السياسي لعُمان بنهاية دولة اليعاربة، حينها استقلّت زنجبار عن عُمان بإدارة عربية. السلطان القوي سعيد بن سلطان آل سعيد نجح في إعادة بسط النفوذ العُماني على تلك المناطق مرة أخرى، واتّخذ قرارًا جريئًا بنقل العاصمة من مسقط إلى زنجبار، حيث أصبحت بذلك من أهمّ المراكز التجارية، ويتبينُ ذلك من خلال مُراسلات الكثير من الدول، ورغبتها في التعاون مع السلطنة، منها الولايات المتحدة الأمريكية. بعد وفاة السلطان سعيد حدث خلافٌ بين أبنائه، فقامت بريطانيا باستغلال الفرصة وقسّمت مملكته بين أبنائه، وأصبح هناك كيانان لنفس الأسرة، أحدهما في الخليج العربي، والآخر في شرق إفريقيا، زنجبار، وهي تحت الحماية البريطانية تعاقب عليها عددٌ من الحكام المميزين ساهموا في بقاء زنجبار كيانًا سياسيًا عربيًا مهمًا في تلك المنطقة.

مع وصول السلطان «جمشيد بن عبدالله» للحكم- وهو آخر حاكم عربي- وصلت زنجبار لنضج سياسيّ بوجود تعددية سياسية ومملكة دستورية، وتمهيدًا لانسحابهم وضع البريطانيون قانونًا للانتخابات عام ١٩٦١، وكان أهمّ حزبَين استأثرا بالحياة السياسية هما حزب «زنجبار الوطني»، ويضم بشكل أساسي العرب، وحزب «الإفروشيرازي» ويهيمن عليه الأفارقة، وكان هناك صراع كبير بينهم بدأ يخرج إلى السطح، الخلاف تغذّيه بريطانيا مستغلةً شعور الأفارقة بالظلم بسبب سيطرة الجنس العربي على الحياة التجارية والاقتصادية والسياسية.

في انتخابات عام ١٩٦٣ حصل الحزبُ الذي يسيطر عليه العرب على أغلبية مريحة، وسط تشكيك من الحزب «الإفروشيرازي» بوجود عمليّة تزوير، وعلى إثرها جرت بعض الاضطرابات وكان هناك شعور بالاحتقان لدى الحزب الإفريقي.

اتخذت الحكومةُ قرارًا يُعتبر من القرارات الخاطئة بالتخلّص من عددٍ كبيرٍ من رجال الأمن من الأصول الإفريقية، فنشأ بذلك وجود قوّة كبيرة مسرّحة، ناقمة ومدربة، والأهم أنّها على دراية بكل جوانب ومراكز الأمن في زنجبار، وهي قوة كان لها دورٌ كبيرٌ في سير الأحداث كما سنرى.

في ١٠ ديسمبر ١٩٦٣ نالت زنجبار استقلالَها، ورفضت الحكومة البريطانية الطلب بعمل معاهدة دفاع دون إبداء الأسباب، وفي ١٠ يناير ١٩٦٤وقبل يومَين من الانقلاب حدثت أمورٌ غريبة، حيث إنّ المفوض العام البريطاني استدعى نائب قائد الشرطة «بن سعيد الخروصي»، وطلب منه التحرّك مع قوته إلى منطقة بعيدة، بعدها بيومَين تمت إزالة جميع الحواجز الأمنيّة في العاصمة في إجراء يحدث لأوّل مرّة، وبعد انتصاف الليل سُمع دويّ إطلاق النار وبدأت المجموعاتُ الفوضوية من ميليشيا الأمن المُقالين وبعض الغوغاء في السيطرة على كلّ مفاصل الدولة ومراكز الأمن، العملية كانت بقيادة «أماني كرومي» زعيم الحزب الإفروشيرازي، واستعان في العملية بشخصية أوغندية حاقدة، وهو «جون أوكيلو» الذي دخل إلى زنجبار عام ١٩٥٣ يفتخر بدافعه الديني لتخليص الزنجباريّين من الحكم العربي.

ستّ ساعات كانت كفيلة بالسيطرة على كل مفاصل الدولة، وتحوّلت العملية إلى مجزرة للعنصر العربيّ، ليلة عصيبة من القتل والسلب والنهب والاغتصاب، فقد بلغ عدد القتلى من العرب حسب بعض المصادر عشرين ألفًا دفنوا في مقابر جماعية. القوة البعيدة لم تستطع أن تتدخل بعد أن جرّدها البريطانيون من كل وسائل النقل، أمّا القوة البريطانية فاكتفت بمراقبة المشهد بصمت مع تحذيرها الصارم بعدم التعرّض لأي مواطن أوروبيّ وقد كان ذلك. ووسط الفوضى استطاع السلطان جمشيد الخروج من زنجبار لينتهي بخروجه الحكمُ العربيّ الذي استمر مئات السنين، ليغادر إلى منفاه في بريطانيا ليعود أخيرًا ويستقر في «مسقط» في بداية عام ٢٠٢١، وهو على مشارف الـ ٩٠ عامًا.

نذكر هنا وحسب إفادة المؤرّخ العُماني الدكتور محمد الشعيلي أنّ عام ١٩٩١ زار مسقطَ رئيسُ حكومة تنزانيا «سالمين عامر»، وتقابل مع السلطان قابوس رحمه الله، في أوّل زيارة لمسؤول حكوميّ من تنزانيا إلى مسقط بعد المجزرة، وتمّ تقديم اعتذار للسلطان قابوس لما حدث للعرب من مجازر في تلك الليلة المشؤومة.

ختامًا رحم الله شهداء تلك الليلة.

 

Twitter:khalifa624

اقرأ أيضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق