fbpx
كتاب الراية

فيض الخاطر.. رمضان في زمن الكورونا

رمضان بأخلاقه السامية وروحانيته العميقة جدير بأن يمتد أثره لبقية شهور العام

للعام الثاني على التوالي يحل الشهر الكريم في زمن الكورونا، والعالم الإسلامي بل العالم قاطبة يعيش ظروفًا صحية صعبة وذات تأثير على الاقتصاد والتجارة والعلاقات العامة والخاصة في كل دول العالم، الأمر الذي لم يعشه هذا العصر بهذه الشدة والقسوة التي طالت كل نشاط إنساني، وأخلت بموازين العلاقات بين الدول، لا فرق في ذلك بين دول صغيرة أو كبيرة، فالكل ناله ما ناله من أضرار هذه الجائحة التي تناسلت لتُخرج أنواعًا جديدة من هذا الوباء الخبيث الذي عجزت جهود العالم عن السيطرة عليه حتى الآن، الأمر الذي لا يبعث على الاطمئنان بين مختلف الأمم والشعوب.

في هذه الظروف يطل على المسلمين هذا الشهر الكريم ليضعهم أمام اختبار عسير وامتحان صعب، وهم الذين يحملون للعالم رسالة المحبة والسلام، والتعايش بين الشعوب بأمن واستقرار، فهل يؤدي المسلمون هذه الرسالة الإنسانية المقدسة، بعد أن يتخلصوا مما في نفوسهم من أحقاد وفتن وحروب طاحنة، وأمراض اجتماعية متفشية في مجتمعاتهم التي تتعرض للدسائس والمؤامرات المعلنة والخفية التي تحاك بأيدي أعداء الأمة والعاملين على إفشال مساعي أبنائها الهادفة لتحقيق نهضتها وازدهارها ومشاركتها في صناعة حضارة العصر بشكل متكافئ وإيجابي مع بقية دول العالم.

رمضان بأخلاقه السامية وروحانيته العميقة جدير بأن يمتد أثره لبقية شهور العام، وأن تمارس تلك الأخلاق وهذه الروحانية باعتبارها سمة دائمة، وليست صفة مؤقتة، ومرهونة بشهر واحد من شهور العام الهجري، والعبادة عادة لا تؤخذ بشكلها دون مضمونها، وهو الأمر الذي يتحقق بين المسلمين خلال شهر رمضان المبارك، وحري أن يتحقق بينهم طوال العام، خاصة وقد علمتهم كورونا معنى الصمود في وجه الكوارث والتصدي لها بعزم وصلابة، وأن يأخذوا الدرس ويستوعبوا فحواه، وهو أن القدرة الإلهية فوق كل قدرة، وأن الحياة رحلة قد تطول وقد تقصر، فلا وقت فيها للنزاعات الطائفية ولا للحروب العقائدية، ولا للنزاعات حول أمور طرأت على العالم: إن قدرة الله فوق كل قدرة، وبأمره حل الوباء وبأمره سيرحل، حتى وإن خلف ما لا تنسى عواقبه على مر الزمن.

فهل يصوم المسلمون عن السلوكيات والتصرفات والممارسات الخاطئة التي لم تجلب لهم سوى المزيد من الفتن، والتي دفع ثمنها المسلمون أنفسهم، حتى أصبح الملايين منهم في حماية الدول الغربية، لتستفيد منهم تلك الدول في إدارة وتنشيط اقتصادها، بتلك الأيدي العربية التي لفظتها بلدانها الأصلية، فاحتمت بدول الغرب لتجد عندها الملاذ الآمن، بعد رحلات الشتات الناتجة عن التشريد من الأوطان، وعلى أيدي مسلمين آخرين من أبناء جلدتهم.

رمضان بوجهه المضيء وحقيقته المشرقة في نفوس المسلمين، وفي ظل هذه الظروف الصحية التي أربكت العالم، هو الملاذ للمسلمين للنجاة من ضعفهم وتخاذلهم، إذا سادت أخلاقه بقية شهور العام، وفيه من القيم ما هو كفيل بتحقيق أمن وازدهار بلاد المسلمين، وابتعادها عن الأمراض الاجتماعية التي تفتك بمجتمعاتها بما في ذلك من تفشي الفساد بجميع أشكاله وألوانه، وهو الأمر الذي يمكن اعتباره أشد فتكًا بالبشر، فالأوبئة يمكن إيجاد اللقاحات التي تحد من انتشارها، لكن الفساد لا يمكن القضاء عليه بأي لقاح غير لقاح الأخلاق والصدق في القول والعمل.

الصيام ليس عن الأكل والشرب فقط، ولكن عن كل ما يسيء لإنسانية الإنسان وكرامته، أخلاق رمضان ومثلُه وقيمه، لا تستطيع كورونا ولا غيرها القضاء عليها، رغم قدرتها على القضاء على البشر.

رمضان في ظل الجائحة قد تتأثر طرق ممارسة واجباته وفروضه، لكنه في قلوب المسلمين لا بد أن يظل بعباداته منارة هدى، وبأخلاقه سبيل خير وصلاح للمسلمين أينما كانوا في أرض الله الواسعة.

[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X