fbpx
المنتدى

أمريكا على مُفترق طرق

يجب إعادة إنتاج أمريكا موحّدة تنتج ممثلين مُنتخبين

بقلم – توجان فيصل

 طريقة حساب الفوز بالانتخابات الرئاسية الأمريكية مُعقدة ومُنحازة لنتائج بعض الولايات الكبرى بما يغبن الناخب الفرد، ذلك لكون النظام فدراليًا، يُعطي بعض الولايات حصصًا أكبر في حساب التصويت. وهو نظام فريد لا أعتقد – بحدود علمي – أنه ينطبق على ديمقراطيات أخرى، ومُعقّد يصعب شرحه وأيضًا فهمه. وأراهن على أن المُواطن الأمريكي العارف بأبجديات هذا النظام في ولايات عدة مغبونة بسببه، لا يشعر بالرضا بكل نتائجه إن لم يفز المُرشّح الرئاسي الذي صوّت له ضمن أكثرية عددية فعلت هذا.. ولكن ذات المُواطن سيرضى حتمًا بفوز مرشحه إن آلت نتائج الحسبة العجيبة لصالحه رغم حصول المرشح على أصوات مواطنين أمريكان أقل.

ولكن تذبذب حالة الرضا والضيق بما لا يتفق بالضرورة مع حق الأغلبية في تحديد من يرأس الأمة، يؤدي لنوع من الانقسامية بين الولايات، أو بالأحرى يُعزّز انقسامية قائمة لأسباب أخرى باقية منذ توصّل أبراهام لنكولن لإقامة اتحاد فدرالي في ظل انقسامات مصلحية بين الولايات الشمالية، التي تركّزت فيها النقلة الصناعية إلى جانب الزراعية والولايات الجنوبية التي بقيت زراعية، بما أعاد إنتاج الإقطاع الأوروبي في ثوب مُهاجرين أوروبيين (لم يكونوا بالضرورة من الأُسر الإقطاعية الأوروبية)، استملكوا الأرض بالحيازة لمُجرد كونهم أوروبيين، أو بأسعار زهيدة.. هؤلاء رفضوا تحرير العبيد لضمان الأيدي العاملة الزراعية المجانية كما في نشوء وإقامة النظام الإقطاعي عالميًا، ولحين تحريرهم عالميًا بفعل النقلة للعصر الصناعي.

لنكولن قَبِلَ ببقاء العبودية في الولايات الجنوبية مع جدولة وسائل إنهائها، رغم سجله التاريخي الرافض لها، لإبقاء أمريكا مُوحّدة في نظام «فدرالي» بدل «الكونفدرالي» الذي كان مطروحًا من الجنوبيين، لخوفه المُحق من انفراط عقد الولايات المُستجد بالخروج السهل منه.. ورغم ذلك اغتيل لنكولن، وبقيت بذور الفرقة بين الولايات، بما حال دون التحول لدولة مُوحّدة القوانين ليومنا هذا. وهو ما يحد لحينه من سُلطة الرئيس المُنتخب لجهة تطبيق سياسته في كافة الولايات وبما أنتج قانون انتخاب عجائبيًا يقبله الطرفان، المُرشح الرئاسي من أي من الحزبين وسكان أي من الولايات التي تتباين سياساتها، بالشروخ العجيبة ليس فقط في كيفية احتساب فوز مُرشح بالرئاسة، بل وفي مدى شمولية سياسة الرئيس المُنتخب على كامل أرض أمريكا، وهامش الفارق في النفوذ يذهب للحاكم الذي تنتخبه كل ولاية ولمُمثليها في مجلس النواب والكونجرس.. والأسوأ أنه يُصبح موضع تنازع وتعطيل مصالح الشعب بمجمله.

وبعد ذلك تبدأ لعبة الفروق بين النفوذ المُتاح لحُكم الرئاسة وحُكم حكام الولايات ومُمثليها في مجلسي السيناتورات والنواب. وهنا يبدأ التحدي للإدارة الجديدة بأمرين، الأول: وهو التنافس الداخلي مع مُمثلي الولايات من الحزب المُعارض (الجمهوري حاليًا) لكسب رضا مُؤيدي الأخير وهو الأصعب، والثاني التنافس الخارجي لجهة صورة ودور أمريكا عالميًا، وهو الأسهل لكون الشأن الخارجي من اختصاص الرئاسة حصريًا، فيما الشأن الداخلي يظل الأصعب لكونه الأكثر التصاقًا أو تصادمًا مع صلاحيات القادة المحليين. ويصل حجم العناد والمُكابرة فيه حد أمور كحمل السلاح «الحربي» كالأسلحة الرشاشة وليس فقط السلاح الفردي، والذي لا يُمكن تبريره بزعم الدفاع عن النفس. والصادم بما يكفي ليُؤشّر على غياب السلطة المركزية والشرعية لحكومة مُنتخبة، أن تشهد ولاية واحدة من مُؤيدي حمل السلاح، عمليتي قتل جماعي لمدنيين أبرياء بسلاح رشاش وبفارق أيام فقط بينهما، دون أن يُؤدي ذلك لخطوات إصلاحية باتجاه مُصادرة هكذا أسلحة ومنع بيعها.. وذلك فقط لتعزيز فُرص انتخاب مسؤولين محليين يحتكرون هذه الصلاحيات ولا تملك رئاسة أمريكا المُنتخبة أمره. ويكفي فقط التساؤل عن رد فعل حكّام ومُمثلي ذات الولايات لو حدث قتل مُماثل لأمريكان خارج أمريكا.. والذي يُصبح من مسؤولية الرئاسة الأمريكية ويطلب ردًا عسكريًا عليه بالتضحية بمزيد من أرواح الأمريكان.

مُنافسة الرئاسة الأمريكية لهذا النفوذ المحلي الضيق الأفق والعميق الضرر مُمكن بتبني سياسة دولية تصون أرواح الأمريكان من التضحية بها في حروب خارجية لا تطال حتى أبعد نقطة من المياه الإقليمية الأمريكية. ويأتي بذات الأهمية كشف سجل التضحيات المجّانية غير المُشرّفة بحياة مُجندين أمريكان جرت مُكررًا، بما يُعيد الثقة لكل بيت أمريكي في أبعد نقطة من ولاية لا يملك فيها بايدن الأوروبي الأبيض وهاريس الآسيوية وأوباما الإفريقي أية شعبية. وحينها يُمكن للرئاسة الأمريكية أن تقلّص من العوائق المحلية التي تستثمر في مصالح ضيّقة وبتكرار مأساوي لا يخدم سوى مطامع سلطوية لفئة ضيّقة دفع ثمنها بأرواح أمريكية شابة. وقد يُنتج هذا تحوّلًا في السياسة الداخلية يوحّد الأمريكان بدل نقل نزاعاتهم لحروب خارجية لا تعود عليهم سوى بقتلى شباب في توابيت. وليس أقدر على فهم الحاجة لتغيير تاريخي من فريق برئيس لإدارة وحيدة لن تتكرّر فلا مطمع شخصيًا يلصق بها، ورئيس سابق شاب جمع ثقافة وخبرة عالمية في شخصه اجتمعا بتوليفة غير معهودة ولا مسبوقة، وهكذا فريق، غير مسبوق أيضًا، قد يكون الفرصة لإعادة إنتاج أمريكا مُوحّدة تنتج مُمثلين مُنتخبين لأمريكا وليس مُتنازعين عليها.

كاتبة أردنية

العلامات
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X