fbpx
كتاب الراية

تحت المجهر.. في البدء.. كانت الكلمة

الكلمة عندما تقف شامخةً للحق عند كل مستبد ظالم جائر

«بدأت الحضارة لأول مرة عندما قام رجلٌ غاضبٌ بإلقاء كَلمة بدلًا من إلقاء حَجر». – سيجموند فرويد-.

«الكلمة» مهما تعددت حروفها، أو تجانست إيقاعاتها، أو صدحت شاعريتها، أو تعدد في القول قائلها، أو كيفما كانت إبداعاتها، أو مهما كانت اتجاهاتها، أو ارتفاع سُلم نبراتها أو انخفاض درجاتها.. فهي تصبح «كلمةٌ» عابرة.. تتلاشى أصداؤها.. وتختفي معالمها.. وتفنى.. لكن يبقى عمق تأثيراتها، وشذا عطرها، ودلالاتها الفعلية، ومقاصدها الجوهرية، ومفاعيلها الاجتماعية، وتسجيلاتها التاريخية وتثويراتها الفكرية.

هي «الكلمة» تخرج من أي فم، بأي لغة، وأي تركيب.. واقعي أو مجازي، وبأي أسلوب عامي أو فصيح.. فهي تصبح موقفًا.. ورسالة.. ووعيًا.. وإشارة.. وحقيقةً.. وهداية.. ووعدًا وشرفًا.. وأمانة.

هي «الكلمة».. هي الشرف وهي الأمانة.. وهي في القصة رمزٌ.. وفي الإنشاء مبنى. وهي في كل الأشياء الهدف والمبتغى والمنتهى والمعنى.. وهي الآخر في النهايات العظمى.. وهي الأولى في المبتدى.

هي «الكلمة» وحدها قد ترفع أمة.. وبها قد تخفض أمة.. وقد تحتويها.. ومن الوجود تمحوها. هي «الكلمة» قد تكون من الخائنين والبائعين والمستسلمين اعترافًا.. وهي عند الآخرين مقاومة أشراف.. و»الكلمة» قد تكون عنوان انتصار.. وقد تكون وثيقة هزيمة وانكسار. «الكلمة» قد تكون فاتحة سلام.. وقد تكون إعلان حرب.. وتسمية طغيان.. وقد تكون نهاية إنسان.

«الكلمة» قد تكون فخر أمة.. ونهضة أمة.. وعنفوان أمة.. وبعث أمة.. وعزة أمة. إذا ما الأمة فهمت معناها.. وآمنت بمنتهاها.. وعقدت العزم على إحيائها.. ورفعت شأنها.. ولملمت ما تبعثر في التاريخ من بقاياها.

«الكلمة»، انتخاب.. والكلمة تفويض وولاية.. وعقد اجتماع منذ البداية.. وهي دستورٌ وبيعةٌ للنهاية.. «الكلمة» قد تكون هلاك شعب.. وموت دولة.. ونهاية أمة. عندما تعطى لناخب خائن.. ومسؤول مستغل بأرزاق الناس متاجر.. وحاكم بمستقبل الأوطان لاعب.

في «الكلمة».. تكمن الأزمات.. ومنها تنهار كل المقدمات. و»الكلمة» سلامٌ أو استسلامٌ.. و»الكلمة» يقظةٌ وعلمٌ بعد سؤال.. وقد تكون غيبوبةٌ وتخلفٌ.. وبقايا أحلام.

وفي»الكلمة» شوق بعد نسيان.. وترانيم عشق.. وأوجاع قلب وأحزان. وفي «الكلمة» لقاء.. وفراق.. ولوعة.. ووصال بعد هجران.

«بالكلمة» تحيا قلوب أسيرة.. و»بالكلمة» تذاب همومٌ بليدة.. و»بالكلمة» تشفى نفوس مريضة.. و»بالكلمة» تُجبر خواطر كسيرة.

في»الكلمة» جرحٌ وألم.. وفي «الكلمة» حزنٌ وندم.. وفي «الكلمة» دمعة وفرحة تولد في مآقي العين.. وتسير في مجرى الدم.

«بالكلمة» نحيا ونعيش.. وبها نموت ونفنى.. و»بالكلمة» نهيم ونعشق فننسى.. و»بالكلمة» نذوب ونتصوف ونترك كل مباهج الدنيا.

و»بالكلمة» نوثق الميلاد.. ونكتب ورقة الموت وشهادة الحياة.. و»بالكلمة» نقترن.. ونتزوج.. ونشقى.. ونموت مرات بعد مرات.

وحدها «الكلمة» إن نطقت.. تُخرج ما في أعماقنا.. وتسجل ما يدور في أحلامنا.. وما نفكر وما نريد.. وما تجرحه أيادينا.. وما تتمناه أمانينا.

وفي «الكلمة» إلهٌ ومعبود.. وفي «الكلمة» شهادة ودين ومذهب وعبادة وكتاب.. وفي «الكلمة» رسالة حبٍ وعشق وجواب.

وفي «الكلمة» قراءةٌ من أميٍ.. لأمة عربية.. برسالة إنسانية.. في كتاب مُنزل هادٍ.. لكل العبادِ.. لمسلمٍ.. لمؤمنٍ.. لراكعٍ.. لساجدٍ.. وذاكرٍ لرب البرية.

هي «الكلمة» فيها عظمة وتكبير.. ودخول جنة رضوان.. وهي «الكلمة» عندما حُرمت على أول البشر: ألاّ تقربا هذه الشجرة.. ألاّ تخطئا.. ألاّ تعصيا.. فتحرما.. فتهبطا.. فتندما.. إن أطعتما الشيطان.

وهي «الكلمة» عندما تقف شامخةً.. صامدةً.. للحق ناصرةً.. عند كل مستبد ظالم جائر.. بلا ضمير.

لكنها.. في النهاية: وحدها ستبقى «الكلمةٌ».. الآمنة.. الخالدة.. تجمع الأسماء كلها.. مذ عُلم آدم سرها.. من لدن ربٍ عطوفٍ رحيم…. سجلت قبل الخلق.. محفوظةً في اللوحِ.. فوق العرش.. للمؤمنين… أن ادخلوها بسلام آمنين.

[email protected]

twitter:@DrIbrahim60

اقرأ أيضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق