المنتدى

الرحيل إلى فضاءات جديدة

نحلم بوطن يضمنا جميعًا بلا كراهية وبلا عنصرية

بقلم – بابكر عيسى أحمد

كنا نترنم بأغنية «فات الميعاد» لسيدة الغناء العربي أم كلثوم، ومن كلمات الشاعر المبدع مرسي جميل عزيز وألحان الفنان الموهوب بليغ حمدي.. ويتواصل الترنم إلى أن نصل إلى المقطع الذي تقول فيه كوكب الشرق وسط انسياب موسيقي رائع «عايزنا نرجع زي زمان … قول للزمان ارجع يا زمان … وهات لي قلب لا داب ولا حب … ولا انجرح ولا ضاق حرمان».

تحملنا الأغاني القديمة إلى عوالم زاهية، إلى فرح مخبوء وإلى عثرات في الطريق الشائك بالهجر وبالعواطف المجروحة وبالألم القديم المتجدد في الذكريات، وتبقى الوجوه متوهجة والعيون يسكنها بريق مضيء … هل الحب يمكن أن يبقى مجرد ذكرى، أو مجرد وهم نعيش فيه بإرادتنا، دون خوف أو وجل من الآتي؟ هل يمكن أن نبقى هناك معلقين بين الجسر والجسر، وبين النهر والبحر.. وبين البحر والمحيط، وتحملنا الأمواج على أجنحتها إلى عوالم جديدة وفضاءات بعيدة، لنعيش عذاب الغربة بعيدًا عن الضفائر التي نعشقها والعيون التي نغوص في لونها العسلي والأصابع التي تفرقع «أبشر يا عريس» وسط باحة من الأزاهير الجميلة وذوات القوام الممشوق.

جلست هناك قرب البحيرة أرقب البجع الذي يسبح في هدوء في انتظار أحد لن يأتي، ليطول الانتظار وتبقى المياه الزرقاء داكنة ويهرب البجع إلى مسكنه البعيد.

هل الرحيل إلى فضاءات جديدة … هو الرحيل؟ أم الرحيل خارج الأوطان والأمكنة هو الثمن الذي يدفعه الإنسان وهو يبحث عن سقف جديد … سقف يقيه صقيع الواقع والوهج الملتهب المعلق بين السماء والأرض … فالرحلة قاحلة والطريق طويل ومقفر … والرياح تعصف بالأحلام المتأرجحة والأمل معلق بين خيط رفيع ممدود بين الأرض والسماء.

الغربة جرعة حارقة وألم ممض يسكن الضلوع ووجع قاس مكانه القلب … الرهبة من الآتي هي التي تكبل خطانا وتدفعنا باتجاه المجهول … فلا الأمكنة الجديدة تقبل بنا بصورة مطلقة وبلا شروط أو ضوابط تكبل خطانا وتمنعنا من العدو إلى فضاءات بعيدة.

لماذا يهرب الإنسان من مصيره ومن قدره؟ ولماذا يبحث على الدوام عن ملاذات آمنة؟

ولماذا تبقى الأوطان طاردة؟ … إنه الوهم الذي يسكننا في بحثنا عن الفردوس المفقود والذي لن نجده أبدًا، ونحن نجوس في الشوارع المظلمة والطرقات الضيقة تطاردنا كلاب مسعورة تنقب في ماضينا وحاضرنا وأوراقنا القديمة والجديدة … حتى الخطاب الذي كتبته إلى محبوبتي قرؤوه نيابة عني وبدؤوا يستجوبونني عنها وعما تفعل في تلك المدينة؟

الأسئلة الحارقة مثل سكاكين القصابين تظل مشرعة على الدوام فوق رؤوسنا وعلى حناجرنا الجريحة بالهتاف الصامد والآلم المسكوت عنه… ويبقى الوطن مثل القمر الغائب وسط الغيوم السوداء.

الغربة هي ثمن يدفعه البؤساء، وتقود إليها أسباب ودوافع واهية وأسباب واقعية ومنطقية ولكنها في كل الأحوال تبقى جرحًا في القلب ، (وشيئًا ك «الأكلان» لا ينفع فيه الأقيانوس ولا كل كحول الأرض) ونبقى هناك نتطلع للآتي الذي لا يأتي أبدًا.

لماذا أتحدث الآن عن هذا الوجع الذي يتجرعه الكثيرون مثلي … بل والذين هم أفضل مني؟ لابد أن هناك أسبابًا كامنة نخجل كثيرًا من الحديث عنها أو حتى الجهر بها … فالوطن رغم البعد أو القرب يبقى هو ذلك الشريان النازف … وهو ذلك الأمل المعقود بالعودة ومحاولة استكمال الفرحة التي لم تكتمل، ومعانقة الصغار الذين أصبحوا رجالًا ونبتت لهم شوارب سوداء و «سواعد حين يجد الجد تطيح».

«عايزنا نرجع زي زمان … قول للزمان ارجع يا زمان» هذا الهتاف العاجز أكلته السنوات وقلصت منه الأيام حتى أصبحنا هياكل بشرية تعجز عن العدو في طريق العودة للوطن.

في الغربة خدمنا العديد من الأهل والكثير من الأصدقاء والمعارف، وتعارفنا على الكثيرين من قارات الدنيا البعيدة والقريبة واكتسبنا الخبرة وقدمنا ما تجود به الظروف وما قدرنا الله عليه … «والله يشهد أننا كنا هناك بالفطر والعيد الكبير … وفي مأتمكم توجعنا … شتمنا الأيدي التي تغتال استشرافكم قمم الحياة».

وتظل السيدة تشدو والألحان تتدفق ومساحة الغربة تتسع والإبحار في عيون الجميلات لا يوصل إلى شواطئ آمنة.

شدت على يدي وعيناها مليئتان بالدموع وقالت هامسة هل سأموت في الغربة بعيدًا عن الوطن؟ قلت لها والدمع يغالبني: سنبقى غرباء في كل الأوطان والموت هو الحقيقة الوحيدة التي يتشارك فيها الجميع … سواء متنا هنا أو هناك فالنتيجة واحدة … جسد ممدود فوق الرمال وأناس كثيرون يهمسون بالدعاء … وذكرى باهتة تبقى بعد الرحيل.

لا تحزني يا صغيرتي إن متنا هنا أو هناك، فالكثيرون من أبناء وطني لم تعرف لهم قبور حتى الآن بعضهم التهمه الحوت في عرض البحر وآخرون ووروا الثرى في الطرف الآخر من الدنيا … حتى أستراليا لم تخل من جثامين أبناء وطني الذين هربوا خلال سنوات التيه والهوان والمذلة حفاظًا على كرامتهم المهدورة ووطنهم المنهوب وعزتهم المغموسة في الأخلاقيات التي تدنست باسم الله وبشعارات «ما لدنيا قد عملنا» و«هي لله لا للثروة ولا للجاه».

اكتشفنا بعد ثلاثين عامًا أننا كنا نعيش الوهم والخديعة وأن الله كان أبعد ما يكون عن أفاعيل هؤلاء الأبالسة والشياطين … بعدها لا يهم أن تموت في ساحة الاعتصام أو في صحارى الدول البعيدة … فالموت هو الهروب من المهانة والمذلة والابتذال.

إن متنا شهداء فليتغمدنا الله بواسع رحمته، وإن كنا مجرد جثث مجهولة الهوية مقطوعة النسب، فنسأل الله أن نعود أرواحًا صداحة فوق سماء الوطن تطالب بالحرية والسلام والعدالة، وبوطن جديد نحلم به جميعًا ويضمنا جميعًا بلا استثناء وبلا جهوية أو كراهية أو عنصرية … بل بحب يتسع للجميع بلا استثناء.

العلامات
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X