fbpx
كتاب الراية

ضوء أخضر.. كاد المُعلم أن يكون رسولًا

القلب الكبير الذي يضخ مزيدًا من الأدب والعلم في شرايين أبنائه وتلاميذه

قالوا قديمًا: «قم للمعلم وفهِ التبجيلا، كاد المعلم أن يكون رسولاً».. هذه الكلمات التي كتبها أمير الشعراء أحمد شوقي بحق المُعلّم، لم تكن مجرد كلمات في بحر أشعاره؛ وإنما كان هدفه منها التأكيد على تقديره وتقديسه للمعلم ورفع مكانته، الأمر الذي نحتاج إليه في هذه الأيام، حيث تظل قضية تقدير المُعلم وتحفيزه للقيام بمهمته على أكمل وجه من أهم الركائز التي يجب توافرها لتطوير المنظومة تعليمية باعتباره العنصر الأساسي الذي يعتمد عليه في تحقيق الأهداف التعليمية والتربوية لا سيما أن على عاتقه مسؤولية عظيمة في تربية النشء.

ذات يوم تظاهر القضاة في ألمانيا مُطالبين بمُساواة رواتبهم مع رواتب المعلمين، فردّت عليهم المُستشارة الألمانية ميركل قائلة: (كيف تطالبونني أن أساويكم بمن علموكم؟) ففي هذه العبارة تقدير كبير لدور المُعلّم ليس على المستوى المعنوي فقط، وإنما على المستوى المادي أيضًا فهم أعلى دخلاً من القضاة، أما في اليابان فقد سُئل الإمبراطور الياباني، ذات مرة، عن سر تقدم دولته بعد خروجها مهزومة من الحرب العالمية فقال: (إن دولتنا تقدّمت، في هذا الوقت القصير لأننا بدأنا من حيث انتهى الآخرون، وتعلّمنا من أخطائهم، وأعطينا المعلّم حصانة الدبلوماسي، وراتب الوزير)، حيث يحظى المُعلّم بتقدير كبير في دولة أدركت بعد ويلات الحروب، أن السبيل الوحيد للنهوض هو التعليم، وأن المُعلم هو حجر الزاوية للمنظومة التعليمية.

لا شك أن دور المعلم في الحياة لا يبارى ولا يجارى ولا يُقدّر بثمن، باعتباره القلب الكبير الذي يضخ مزيدًا من الأدب والعلم في شرايين أبنائه وتلاميذه على مر الزمان، أو كما قال جبران خليل جبران: تقوم الأوطان على كاهل ثلاثة: فلاح يغذيه، جندي يحميه، ومعلم يربيه، فالمعلم في المقام الأول كان وسيظل مربيًا حكيمًا فاضلًا قبل أن يكون مصدرًا للمعلومات في مجال تخصّصه، ولقد لاحظنا في فترة تفشي وباء كورونا، كيف لعب المعلمون دورًا محوريًا بعدد من الدول في جعل التعليم مُتاحًا بتطبيق سياسة (التعلم عن بُعد) بديلاً عن أسلوب (التعليم التقليدي) في المدارس خوفًا من انتشار الفيروس بين الطلاب، وحظيت هذه الفترة الحرجة على الرغم من صعوبتها بالعديد من محطات الإنجاز، التي تجلّت فيها معاني التلاحم والتعاضد بين جميع أطراف العملية التعليمية، سواء أعضاء الهيئات الإدارية أو التدريسية أو الطلبة أو أولياء أمورهم، بهدف تحقيق الاستدامة للعملية التعليمية لإكمال العام الدراسي بأمان.

ولكن بالرغم من ذلك يتعرّض المُعلمون إلى ضغوطات من شتى الاتجاهات، فمن واجبنا خلال هذه الفترة التفكير في وسائل وطرق جديدة، تؤدي إلى رفع مكانة المُعلّم وشأنه في المُجتمع، مع زيادة المنح والمزايا المُقدّمة للطلاب الدارسين في كلية التربية، الأمر الذي من شأنه تحفيز وتشجيع واستقطاب الشباب للاتجاه للتدريس، باعتبار أن الدولة بحاجة ماسّة إلى الاعتماد على سواعد أبنائها، ولكن هذا لن يحدث إلا عن طريق تشجيع المُعلمين القطريين، والمُحافظة عليهم بإبقائهم في المدارس، وتحفيزهم، وفتح المجال أمامهم للترقي الوظيفي والمهني، وتمكينهم من اعتلاء المناصب القيادية والأكاديمية وفق ميولهم وقدراتهم، وتوفير بيئة آمنة وجاذبة، تمكنهم من السير في طريق الانتقال من سلوك العزوف عن مهنة التعليم، إلى سلوك الشغف بمهنة التعليم، والانتماء إليها، حتى نجني ثمار هذا الاستثمار، من خلال رفع كفاءة المعلم، وتحسين أدائه وتجويده، لنصل بمهنة التدريس إلى أرفع معايير الأداء المهني والجودة الشاملة.

والله ولي التوفيق ،،،

أستاذ الهيدروجيولوجيا والبيئة بجامعة قطر

[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X