fbpx
كتاب الراية

خواطر.. مشاعر مُقيّدة

من يُطالبك بإظهار العواطف الإيجابية .. هو من روّضك على عدم احتمالها

يضحك الطفل إن داعبته ويبكي إن عبست في وجهه، أعشق براءة الأطفال وتلقائيتهم في التعبير عن أي شيء، تفهم الأم حالة طفلها وما يُريده من قبل أن يتكلم، ثم مما يقول بعد أن تُعلّمه النُطق، يقول الطفل ما يخطر في باله من ملاحظات وطلبات وأسئلة لا حد لها تنمّ عن ذكائه وفضوله لمعرفة المزيد، ثم يُصاب بحالة من التردد كلّما كبر، نتيجة التأنيب والتنويه بالعقاب على كل صغيرة وكبيرة، ويتوقف عن الأسئلة حين يكتشف أن والديه أو إخوته كانوا يكذبون في بعض الإجابات، فيفقد الثقة بهم، ثم نتساءل عن سبب ابتعاده وصمته وانزوائه في فقاعة الأفكار دون مُشاركة.

التعبير عن الشعور نعمة وميزة إنسانية، سواء كانت فرحًا أو حُزنًا، ابتسامة أو أنينًا، قهقهة أو صراخًا، استرخاءً أو توترًا، كلها ردود أفعال طبيعية جدًّا في الأحوال المُلائمة لحدوثها، ولكن كبتها بقول «عيب الضحك أنت بنت»، عيب أن تبكي لهذا السبب التافه، عيب أنت ولد والأولاد لا يبكون، عيب تأخذ الناس في الأحضان كلما رأيتهم، عيب «اثقل.. حافظ على هيبتك»، ولا تُرِ أحدًا أنك مبسوط، أو زعلان، أو غيران، أو خائف، أو حزين، قد يكون السبب الخوف من الحسد أو من تعليق الناس، ومرّات عديدة لأسباب غير مفهومة ولا محسوبة الأبعاد.

التدريب المُبكّر على كبح جماح العواطف والتصدي الذاتي لردود الأفعال والمواقف الحسّاسة، يُسبب الجمود وعدم القدرة على إظهار المشاعر في الوقت المُناسب، رغم أنها ذاتية وطبيعية، يتمناها الغالبية العظمى من الناس.

الغريب أن من يُطالبك بإظهار العواطف الإيجابية، هو من روّضك على عدم احتماله للمواقف العاطفية بحلوها ومُرّها، هو من كان يمنع التبسّم في الفرح، هو من كان بارد اللقاء رغم الشوق، هو من استكثر عليك كلمات التشجيع والثناء رُغم إعجابه بأفعالك، هو من جعل حُبّه لك مرهونًا بشروط مُتغيرّة وَفقًا لمزاجه وتمسّكًا بسلطته عليك، لذا، من الطبيعي أن تجد نفسك في حيرة من أمرك، مُترددًا في كلماتك، خافضًا صوتك، ناظرًا أبعد من الواقع الواضح، مُتجّهًا إلى أحكام التأويل والتفسير الذي اعتدته وتلقيته منه.

إن كنت مُتفاعلًا بالقدر الكافي، فاحمد الله وساعد غيرك على إظهار العواطف الإيجابيّة، وإن كنت تعاني الجمود، فحاول تدريب نفسك، وتأكد أن إظهار المشاعر ليس نفاقًا ولا مجاملة، بل ثقة بالنفس وبالغير، وله أثر بالغ في إصلاح العلاقات وفتح سُبل المودة والرحمة، وتأكد أن الذي يُقلل من أهميّة مشاعرك تجاهه ويُشعرك بالندم على إظهارها له، يعيش في غَصّة، ويتمنى شيئًا من جُرأتك ووضوحك، فلا تندم على إقبالك وحُسن لقائك وتلقائية كلامك.

تعاني البشرية اليوم من عدم التفاعل مع المآسي بالقدر الكافي لإيجاد حلول جذرية كفيلة بإحلال السلام بين الناس، فهل لنا أن نُعيد للإنسان حقّه في التعبير والتغيير.

التربية لها دور كبير في قدرة الإنسان على التعبير عن مشاعره، زمان، كان الأهل إما أن يسخروا أو يقللوا من أهمية إظهار العواطف الرقيقة حيال حتى أطفالهم، مُتوهمين أن ذلك يُقلل من هيبتهم، أما المشاعر السلبية فإظهارها مشروع، وطرق التعبير عنها مُتعددة، وعلى كل منا أن يُبادر بنفسه في إظهار خير ما فيه، إن السعادة التي نشعر بها إثر إظهار العواطف الإيجابية، تفوق أي إحساس آخر، إنها إنجاز يستحق السعي.

[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X