fbpx
كتاب الراية

فيض الخاطر.. ترشيد الإنفاق الرمضاني

البخل مثل الإسراف.. وكلاهما ناتج عن خلل في تقدير نتائج الأمور

يتكرر الكلام عن ترشيد الإنفاق في الشهر الكريم بدافع الحرص على الاعتدال في الإنفاق من جهة، ومن جهة أخرى حفاظًا على صحة الإنسان ونظافة البيئة، فالإسراف في الأكل تنتج عنه أمراض لا تُعد ولا تُحصى، وكذلك الإسراف في إعداد الموائد الرمضانية، التخلص منها يعني تلوثًا بيئيًا عندما يكون مصير تلك الموائد الرمي في حاويات القمامة، وتلك عادة مألوفة في بلاد إسلامية كثيرة، رغم أن هذه البلاد عرفت الفقر في يوم من الأيام، عندما كان حصول الإنسان على قوت يومه يعني جهدًا مضنيًا للحصول على لقمة العيش.

وتبدأ ظاهرة الإسراف الرمضاني منذ أواخر شهر شعبان، حين يبدأ الإقبال على شراء وتكديس الأطعمة بكميات تفوق القدرة على استهلاكها، وربما فاقت القدرة على شرائها بالنسبة لبعض ذوي الدخل المحدود، لكنها العادة التي لا يُمكن التخلي عنها، وأقصد عادة الإسراف في الاستعداد لقدوم الشهر الكريم، فما أن يحل رمضان حتى يبدأ ماراثون الأكلات الرمضانية بأطباقه المُتعددة الأشكال والألوان، التي تنحصر غالبًا في الحلويات والنشويات بشتى مُسمياتها، وإذا سألت: لماذا إعداد مائدة لأربعة أشخاص تكفي لعشرة؟ فلن تجد جوابًا من أحد.

ثمّة أمر لا يغيب عن أذهان الناس، ومع ذلك فإن الكثيرين يتجاهلونه، وهو التأثير السلبي على صحة الإنسان، فالإسراف في الأكل يعني التخمة، والتخمة تعني الخمول وعدم القدرة على الحركة، ما يُؤدي إلى صعوبة أداء صلاة المغرب بعد الإفطار، وصلاة الفجر بعد السحور، ويلي ذلك ما يليه من أمراض يتركها الإسراف في الأكل والشرب، عندما يتم تناول أنواع عديدة من المأكولات والمشروبات على مائدة الإفطار أو في السحور.

ومن الأشياء التي يعرفها الجميع ولا يلتفتون إليها هي حقيقة أن الإسراف مذموم شرعًا وعُرفًا، وكثيرة تلك الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي توصي بعدم الإسراف، والحفاظ على النعمة، وصونها بالاعتدال، فلا إفراط ولا تقتير في التعامل مع ما أفاء الله على الإنسان من وفرة المال ورخاء العيش وسهولة الحصول على مصدر الرزق. كل هذه النعم ما هي إلا أمانة في عنق الإنسان سوف يُسأل عنها في يوم الحساب.

هذا لا يعني البخل، فهو مثل الإسراف، وكلاهما ناتج عن خلل في تقدير نتائج الأمور، فلا البخيل سيستفيد من بخله، وسوف يُغادر الدنيا كما أتاها خالي الوفاض إلا من العمل الصالح، وكذلك المُسرف لن ينفعه إسرافه، ما عدا ما كان في سبيل الله، وهذا لا يُسمى إسرافًا، بل استجابة لأمر الله في البذل والعطاء ابتغاء مرضاته سبحانه وتعالى.

وكلاهما – البخيل والمُسرف – مذموم الفعل والسلوك.

الذين يُسرفون في الإنفاق الرمضاني عليهم أن يتذكروا إخوة لهم في الدين لا يملكون ما يُقيم أودهم في رمضان وغير رمضان، وليس من خلق الإسلام أن ينعم الإنسان بالمال وجاره يعيش على الطوى، مُتعففًا ونفسه الأبيّة تأبى أن يمد يده لغير الله، فكيف إذا كان هذا الجار قريبًا وجب الإنفاق عليه شرعًا؟، مع أن القطيعة بين الأقارب من الكبائر، لأن التواصل معهم وتفقّد أحوالهم من باب صلة الرحم التي حثّ عليها الدين الحنيف.

الشهر الكريم ليس للإنفاق والإسراف في إعداد موائد الإفطار أو السحور وما بينهما من فترات الإقبال على الأطباق الرمضانية عند تبادل الزيارات، أو الانصراف إلى مُتابعة المسلسلات التي لا تُضيف للمُسلم سوى المزيد من الكسل والخمول وعدم التفكير في الأمور الجادة والأعمال المُثمرة التي تفيده وتفيد غيره. لكنه شهر العبادات والطاعات والخيرات، والتراحم والتواصل بين المُسلمين، بدل القطيعة التي فرضتها تقنيات العصر، التي تضر أكثر مما تنفع نتيجة سوء الاستعمال. ولنتذكر دومًا حديث: (صوموا تصحوا) ولم يقل لتسرفوا في الأكل والسهر والخمول وترك العبادات. وكل رمضان ونحن والوطن بخير.

[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X