fbpx
كتاب الراية

في محراب الكلمة … المتسابقون .. في محراب رمضان

نستلهم من رمضان أخلاقيات ضبط النفس وعدم التعجل في اتخاذ القرارات

يحتل شهر رمضان الكريم مكانة مهمة لدى كل مُسلم، ويزداد التنافس في الاستعداد لاستقباله عبر أشكال مُختلفة على المستويين الفردي والجماعي، وعلى مستوى الدول والمؤسسات.

سباق محموم وسط العائلات والمُنظمات، وذلك السباق يختلف حسب طبيعة وفهم المُتسابقين واقع رمضان ومعانيه وفضائله، ففي محراب رمضان ينقسم الناس إلى فريقين: فريق أعدّ له العدّة من المأكل والمشرب واحتياجات الترفيه وقوائم البرامج المُتلفزة وسلسلة من المنوّعات وكثير من النوم والكسل، وقليل من الإنجاز والعمل.

أما الفريق الآخر فقد استعد للسباق بطريقة مُختلفة، وفرض نظامًا خاصًّا للاستغلال الأمثل لأيام وليالي رمضان، وحوّل هذا الشهر إلى موسم استثنائي لإدارة الذات وتقويم السلوك ومُراجعة الأهداف وتقويم جودة العمل والبحث عن الفرص الجديدة.

ما يُميّز شهر رمضان أنّه محطّة مهمة تختلف عن باقي أشهر السنة، وفي أيامه ولياليه فرادةٌ وخصوصيّةٌ تُميّزه عن باقي أيام وليالي الشهور الأخرى، وهو الأمر الذي يتطلب فلسفة مختلفة وإدارة خاصة في استغلال ساعاته ودقائقه ومعايشة لحظاته روحيًا وعمليًا وإنسانيًا.

من واقع التجربة لاحظت الأثر الإيجابي على نفسي وأدائي بل وطريقة تفكيري نتيجة الصيام الذي يقوّم السلوك ويُنمّي الفكر ويُغذي الروح، ولاحظت أن كثيرًا من المنظمات تتخذ من رمضان محطّة تحدٍ لتحقيق إنجازات استثنائية مُختلفة عن بقية أعمال السنة.

ومما لا شك فيه أن شهر رمضان يغرس فينا الكثير من القيم والمبادئ التربوية والإدارية على المستويين الفردي والجماعي، ومن ذلك استلهام معاني الصبر والبذل والرحمة والبناء والتغيير والتنافس على الخيرات وبذل الجهود في سبيل تحقيق الأهداف وتنمية الموارد وجودة الأعمال وتحسين الحياة، فنحن ما خُلقنا إلا لكي «نعمر في الأرض».

في محراب رمضان نستلهم الكثير من التطبيقات الإدارية كضبط النفس والابتعاد عن الغضب وعدم التعجّل في اتخاذ قرارات كردة فعل لحالة نفسية غير مُستقرة، وكيف نصبر على الكثير من العقبات والعوائق، ونحن على قناعة تامّة بأن النصر صبر ساعة. في محراب رمضان تعلمنا أيضًا أسلوب التركيز والابتعاد عن الملهيات، وإدارة الوقت ومتابعة تحقيق الأهداف بكل دقة، وهي أمور لو استطعنا تطبيقها في حياتنا العملية لكانت نتائجنا أفضل جودة وأكثر نجاحًا وأجدى نفعًا. وإذا كان السباق في شهر رمضان على الطاعات وعمل الخيرات من الأبواب التي يسعى الكثير للتنافس فيها، فإن إدارة الوقت وأداء المهام الوظيفية وإنجاز مصالح الناس، تُعد من أولويات الصائم في رمضان، خصوصًا من كان مسؤولًا ومعنيًّا بتسهيل مصالح المُراجعين وتسريع قضاء حوائجهم. إن هذا الشهر الاستثنائي يحتاج إلى إرادة وإدارة استثنائية في كيفية استغلاله الاستغلال الأمثل، فهي أيام قد لا تعود، وفرص قد لا تُعوض، وكم كانت أزمة كورونا مثالًا على وقوعنا في صدمة كبيرة أمام فرص كثيرة كان يمكن استغلالها في الماضي ولكننا تهاونّا حتى ذهبت الأيام، وفاتت الفرصة، وندمنا على تقصيرنا وتساهلنا.

من المُهم أن تتغير الكثير من القناعات تجاه رمضان، حيث استقر في أذهان الكثير من الناس أن رمضان شهر نوم وراحة ونقص في النشاط الجسماني، والبعض يعتبر رمضان شبه عطلة عن أداء المهام وتحقيق الإنجازات. والحقيقة أن الدراسات العلمية تؤكد عكس ذلك، فالصيام يُعزز الطاقة والنشاط بسبب الزيادة في مُعدل الاستقلاب في الجسم وطرح السموم المُتراكمة واستبدال الأنسجة الميتة والضعيفة بأنسجة جديدة شابة، كما أثبتت دراسات حديثة أن الصيام يزيد من مستوى التركيز أثناء العمل. بالإضافة إلى أن الرضا عن النفس عند الشخص الصائم كجانب عبادي يزيد من قدرته على تحمل الجوع ويدفعه للعمل والإتقان. كم هو جميل أن نرى مُسارعة الشباب والكبار واللجان التطوعيّة والمُنظمات في تسخير جهود كبيرة لتقديم المُساعدات وبذل أوجه مُختلفة من العطاء الإنساني في رمضان، وكم هو جميل أيضًا أن نُعزز جوانب أخرى من البذل نحو تنمية الذات وتعزيز الفرص وتدريب الطاقات وتحويل رمضان إلى ورشة للمُنافسة في جودة الإنتاج وتحقيق الإنجازات.

خبيرة ومدرّبة في مجال التنمية البشرية

والتطوير المؤسسي

[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X