fbpx
كتاب الراية

ما بين السطور.. بين الحقيقة والذكرى

التغيير يطال كل ما نصادفه وما نمر به.. واقعنا وحياتنا وأعمارنا وأفكارنا وطاقاتنا

أحيانٌ كثيرة تكون فقط ذكرى جميلة، نستحضرها في الليالي الدافئة، وفي جلسات العائلة البهيجة..

هي ذكرى نسردها لأيام وأيام للآخرين، ونعيد سردها لياليَ وأيامًا أخرى، وأحيانٌ أخرى تصبح حقيقة واقعة..

تقف أمامنا بكل رونقها وعذوبة لحظاتها، لتغدق علينا ابتسامات الفرح والسعادة والأمل..

فهي لا تأتي إلا مرة في العام فقط، تمامًا، كشهر رمضان، الذي نعيشه هذه الأيام، بلحظاته المباركة، ولياليه الكريمة،

بصيامه والإكثار من الطاعات في لياليه ونهاره، دون تقصير أو تقتير..

هو الآن حقيقة واقعة، سوف تكون بعد فترة ما مجموعة من الذكريات التي تخطر على بالنا كالأطياف المتألقة، التي لا يمكن أن تغادر ذاكرتنا، رغم مغادرتها لواقعنا، وتحولها إلى ذكرى..

تمامًا كالعيد.. كالمناسبات السعيدة التي لا تمر علينا إلا مرة واحدة في العام، وربما بعضها لا يمر إلا مرة واحدة في العمر، كالسفر، والحج، ولقاء الصداقات الجديدة.. ولقاء شريكة العمر أو شريك العمر..

أمور ربما تدوم وتصبح واقعية في كل يوم وكل لحظة، وربما لا تمر بنا إلا كنسمة رقيقة تحمل لنا بشارة فرح، ودعوة ملونة في مظروف جميل.. أو هدية ملفوفة بالورق اللامع، والشرائط الحريرية الزاهية.

مثل أفراح الصغار، التي تحسب لهم منذ الخروج إلى الحياة الواسعة الممتدة بكل ما فيها من تضاريس وحدود ومناخ، وقوانين وشعائر، ودساتير، وإجازات واحتفالات، وميلاد، وألعاب..

كذا تكون ليالي القرنقعوه، تمر مرة واحدة في العام، نتذكرها من عام لآخر، ونستعد لها منذ انتهاء لحظتها الحالية، ونحن لا نعلم ولا ندري، كيف ستمر بنا الأيام القادمة، وكيف ستكون الحياة وظروفها وملابساتها حينذاك.

أحياء مبتهجين، نكرر الحكايات القديمة مرة تلو مرة تلو أخرى، دون أن نمل منها، أو ناسين متناسين اللحظات التي أصبحت ضمن زوايا النسيان، والتي تسقط سهوًا من ذاكرتنا دون إرادة منا..

ومع مرور الأيام، ومع مرور الزمن، تظل بعض الزوايا، وبعض الأرصفة دون تغيير، إلا من غبار الوقت الذي أزف منذ فترة ما..

التغيير يطال كل ما نصادفه وما نمر به، واقعنا، حياتنا، أعمارنا، أفكارنا، طاقاتنا، حماسنا، طموحاتنا….. كل شيء آيل للتغيير، رضينا أم لم نرض، ليس الأمر بأيدينا..

فالعالم من حولنا يتغير من حال إلى حال أخرى، ومن موسم إلى مواسم أخرى..

الصغير يكبر، والكبير يشيب، والمسن يدخل في مرحلة النسيان أو العجز والأمراض المزمنة..

والقرنقعوه تصبح في خبر كان..

يومًا ما، سيحكي الآباء والأمهات لأبنائهم، عن جداتهم وأجدادهم الذين حكوا لهم عن ليالي القرنقعوه، وعن أكياس الحلوى والمكسرات، وعن أغنية تطوف من بيت لآخر، ومن حي لآخر، ومن جيل لآخر..

ما أجمل الذكريات حين تأتينا مضمخة بعبير السعادة والفرح.. كضحكة الوليد، كليلة من ليالي العيد، كساعة ميلاد جديدة لمولود جديد، كرداء التخرج في طابور الخريجين، كالوظيفة الأولى، والراتب الأول، ليالي الأعراس وأصوات الدفوف والموسيقى الصاخبة.. وخطوات الراقصين والراقصات على مسرح الحياة..

ترى كم من تلك الذكريات الصغيرة ستظل مخبأة في أذهاننا ؟ وكم منها سيؤول إلى السقوط في زوايا العدم..؟

جميلة هي الليلة الحالية، واللحظة الحالية، والأجمل دائمًا تكون هي التالية، القادمة، تلك التي لا يمكننا رؤيتها، ولا التعرف إليها، إلا حين تصبح حقيقة واقعة، وإلا فإنها مجرد أمل وترقب، ثم تتحول إلى ملف الذكريات…

أدام الله أيامكم ولياليكم وذكرياتكم السعيدة.. وكل عام وأنتم بخير..

[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X