المحليات

الشمائل المحمدية.. مِن الهدي النبوي في المُدَارَاة

مُخالَطة النَّاس ومُعاملتهم من لوازِم الحياة، والنَّفس مفطورة على المُعايشة والاستِئناس بغيرها، ولَمَّا كانت النفوس غير مُتشابهة، والطَّبائع مُختلفة، أصبح لِزامًا على الإنسان أنْ يُعامِل ويُعاشِر الناس بالحُسنى ويُداريهم، وقد قِيل: مَن هجر المُداراة قارَنه المكروه.
والمُدَاراة: هي مُلاينة الناس، وحُسن صحبتهم واحتمالهم لئلا ينفروا عنك، وهي مُباحة وربَّما استُحبَّتْ أحيانًا، قال ابن بطال: «المُداراة: خفض الجناح للناس، ولين الكلام وترك الإغلاظ لهم في القول»، وقال المناوي: «المُداراة: المُلاينة والمُلاطفة».
وقال الحسن البصري: «كانوا يقولون: المُداراة نصف العقل، وأنا أقول: هي العقل كله». وقال محمد بن الحنفية: «ليس بحكيم من لا يُعاشر بالمعروف من لا يجد من مُعاشرته بُدًّا، حتى يجعل الله له فرجًا، أو قال: مخرجًا».
وأما المُداهنة فهي بذل الدِّين لصلاح الدنيا، وهي مذمومة ومُحرّمة، قال ابن بطال: «المُداراة من أخلاق المُؤمنين، وهي خفض الجناح للناس، ولين الكلمة، وترك الإغلاظ لهم في القول، وذلك من أقوى أسباب الألفة، وظن بعضهم أن المُداراة هي المُداهنة خطأ، لأن المُداراة مندوب إليها والمُداهنة مُحرّمة، والفرق أن المُداهنة من الدهان وهو الذي يظهر على الشيء ويستر باطنه، وفسّرها العلماء بأنها مُعاشرة الفاسق وإظهار الرضا بما هو فيه من غير إنكار عليه، والمُداراة هي الرفق بالجاهل في التعليم، وبالفاسق في النهي عن فعله وترك الإغلاظ عليه، حيث لا يظهر ما هو فيه، والإنكار عليه بلطف القول والفعل لا سيما إذا احتيج إلى تألفه ونحو ذلك».
وقال القرطبي في الفرق بين المُداراة والمُداهنة: «إن المُداراة بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين أو هما معًا، وهي مُباحة وربما استُحِبَّت، والمُداهنة ترك الدين لصلاح الدنيا»، وقال الغزالي: «الفرق بين المُداراة والمُداهنة بالغرض الباعث على الإغضاء، فإن أغضيتَ لسلامة دينك، ولِما ترى من إصلاح أخيك بالإغضاء فأنت مُدار، وإن أغضيْتَ لحظ نفسك واجتلاب شهواتك وسلامة جاهك فأنت مُداهن».
والمُداراة ليست صفة مُلازمة للمُسلم، إنما يُحتاج إليها في التعامل مع بعض الناس والمواقف والأوقات التي تتطلب المُداراة، والسيرة والأحاديث النبوية فيها أمثلة على ذلك.

العلامات
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X