fbpx
كتاب الراية

بالقلم الشفّاف.. التلوث الوظيفي

العلم والمعرفة ليسا مجرد شهادة تمتلكها أو كتب تقرؤها.. بل ثقافة متكاملة

قد يُفني الإنسان عمره بالكامل في اختصاص مُعين ووظيفة معينة لا يميل عنها ولا يحيد. يركض بملفاته وكتبه مُتخرجًا من بوابة الجامعة مباشرة لأحضان الوظائف الشاغرة التي تجعله ينكبّ على نفس الأوراق والموضوعات التي قضى بها ثلث عمره السابق، ثم يكمل الثلث الثاني في وظيفته متقوّس الظهر ضعيف النظر على نفس الأوراق والملفات كذلك، وبعد التقاعد قد يصبح مستشارًا متكئًا على عصاه يقرأ من نفس الأوراق والمراجع والكتب. هذا الإنسان المُتجذر في عمقه المُتأصل في كينونته قد يرى نفسه مُتخصصًا مُخضرمًا، لكنّ الآخرين قد لا يرونه إلا زاهدًا مُتبتلًا ينظر بعين واحدة، فعندما تتحدث مع طبيب مثلًا قد لا يرى في العالم سوى أكوام من الأمراض المُتنقلة، والمهندس كذلك قد يرى البشر مباني من الطين العتيق الذي يكمل منظومة العمارة الحديثة، وكل في مجاله لا ينظر للعالم من حوله إلا من خلال ثقب في جدار التخصص، وهذا ما يسمونه بالتلوّث الوظيفي.

الاختصاص أمر عظيم ومهم، لكنه كلما كانت المعرفة فيه عمودية مُتعمقة، فلن يلتفت صاحبها لأي من المعارف الجميلة الأخرى، بل إن شخصيته ستفقد الكثير من مرونتها وتقبلها وانفتاحها على العلوم المُختلفة، لذا لا بد من بعض القراءات والدراسات الأفقية التي تأخذ قليلًا بمجموعة من الاختصاصات الجانبية بالإضافة للعمق المعرفي للاختصاص الرئيسي. حتى تصبح نظرته أكثر بانورامية بألوانها الحقيقية وليس من خلال اللونين الأبيض والأسود، لذلك اتجه الكثير من الجامعات الحديثة إلى دمج التخصصات الأكاديمية وعمل توليفات مُنسجمة مع بعضها تجعل الحاصل على تلك الشهادات ناضجًا بالفعل مؤهلًا للتوافق مع الآخرين، وفهم احتياجاتهم والتواصل معهم بطريقة أفضل بكثير من صاحب التخصص الواحد والعلم الواحد الذي يعاني من التلوث الوظيفي ويحتاج لتنقية ذهنه منها متى ما اكتشف أنه دخل في دُوامتها.

العلم والمعرفة ليسا مجرد شهادةٍ تمتلكها أو كتبٍ تقرؤها، بل ثقافة متكاملة لإدراك حواسك ومشاعرك وكيفية استخدامها بالشكل الناضج الصحيح النافذ على الأشياء من حولك، ولن يحدث ذلك بمعزل عن المُحيط الذي تعيش فيه، بل من خلال الذكاء العاطفي والذكاء الثقافي والذكاء الإدراكي في آن معًا.

رأينا من بسطاء العلم من هم أوسع أفقًا وأكثر رجاحة من كثير ممن تعبدوا في صوامع العلم الواحد لسنوات طويلة، لم يجدوا لذة الحياة ولا طعم الراحة حتى توحدوا وتوحشّوا.

@bynoufalmarri

[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X