fbpx
كتاب الراية

حبر مسكوب.. «هريس»

لماذا يعود الشخص بعد الغُربة بنفس الفكر الذي سافر به؟

يُعد «الهريس» من الوجبات الرمضانية التي لا يخلو منزل من وجودها على سفرة الإفطار. وللمعلومة فإن تحضير هذا الطبق يأخذ من الوقت والجهد الكثير، ومع ذلك تعمل الأم الحريصة على حاضر أبنائها على أن ينعموا بطبق يتمتع بالهُوية حتى وإن كلّفها ذلك الكثير من المال والجهد.

وفي المُقابل نجد أن البعض يستصعب ذلك ويبحث عن الأمور التي يستسهلها، ويقول لماذا أجلس بالساعات لكي أُعد طبقًا وأنا أستطيع في ظرف دقائق شراء طبق جاهز مع إضافة رشة من الهوية على طريقة الشيف «نصرت»، خاصة أن المال مُتوفر بكثرة فيستطيع شراء أطباق جاهزة ومن كل حجم، طالما كلها مُنتجات وطنية بالاسم!، لا يهم كيف صُنعت لكن الأهم أن يكون طعمها لذيذًا وتبعث الفرحة في نفوس المُجتمع.

ما سبب هذا الحديث الذي قد يسيل له اللعاب؟ لكن حتمًا يستوجب أن يسيل معه التفكير أيضًا، هل فكّرنا في أن نستثمر في العُنصر البشري الذي يُعد رأس المال الحقيقي لأي تنمية حقيقية في كل المُجتمعات.

لنقرّب الصورة، كانت الأمور تسير بشكل صحيح بالنسبة للتعليم والبعثات، لكن فجأة أصبحت الشهادة العُليا وجاهة، والبعثات بالنسبة لدفعة القاهرة وبيروت وحتى لندن، المُهم فيها الاسم. عندما تسأل المُبتعَث ما الذي تعلمته من الغُربة بما يعود بالمنفعة على بلدك؟، يقول تعلّمت كيفية الطبخ وأن أعتمد على نفسي !!.. يا حلاوة.

هذا جزء من ضياع المسؤولية، وهو الفرد!، لكن لنحسم الموضوع أولًا قبل الحديث عن من هو المسؤول الثاني في ضياع المسؤولية، فأنا لا أقصد مُجتمعًا ما من حديثي، هذا شعاري «اللهم إني صائم» وكل حديثي هو عن عالم افتراضي ومُجتمع خيالي.. اتفقنا.

طالما أننا مُتفقون لنكمل الحديث الرمضاني، فطبخة «الهريس» التي نُعدها للأبناء لم تعد تعجبهم.. الشخص الذي يتغرّب يعود بنفس الفكر الذي سافر به! بل قد يعود أكثر انغلاقًا وغير مُتقبل للآخر!.

هذا جزء من الصورة، ولكي لا نُطيل أكثر، إن السبب في ضياع المسؤولية غير الفرد هو المؤسسات، فالقرارات التي تصدر هنا وهناك هل هدفها إصلاح المُجتمع ككيان قابل للعيش والتعايش؟.. إذا كان الأمر كذلك فلماذا يرى البعض أن هذا القرار يُشكّل استفزازًا لكيانهم، رغم أنهم ربما قد طالبوا بمثل هذا القرار أو الاستثناء مثلًا، وعندما تُمنح لهم يرون فيها تعديًا على حقوقهم.

للأمانة أرى نفسي في حيرة من أمري في تفسير هذه الأمور. ولكن لنرى الصورة من منظور آخر،، مثلًا عندما نسمع عن تعيين مُسلم في بريطانيا أو لاجئ لم يكتسب الجنسية بعد، في منصب كبير نفرح ونفتخر بهذا المُسلم، لماذا نذهب بعيدًا ولنا في (زين الدين زيدان) أسوة حسنة، حيث في كل إنجاز يُحققه لا بد أن نسبغ عليه طابع التعظيم لأصوله العربية ونفتخر بذلك، وهذا شيء طبيعي!، لكن غير الطبيعي عندما يكون هناك شخص عربي أو مُسلم في مُجتمعنا يُحقق إنجازًا أو يتقلّد منصبًا.

قلت لكم، أنا عن نفسي أعجز عن الجواب لأن هناك أيضًا قرارات يتشارك المسؤولية في ضياعها الفرد والمؤسسة معًا، فهل نحن أمة عظيمة فعلًا أم نحن أمة لا تستطيع العيش بدون الأمم الأخرى؟.. هل نكتفي بصناعة الهريس حتى لو كانت التكلفة عالية أم نشتري كل شيء جاهزًا ونكتب عليه «هريس صُنع محلي» ونطالب بدعم هذه الصناعة؟!.. للأمانة كتبت المقالة وأنا صائم لذلك جاء اسمها هكذا.!

 

[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X