fbpx
كتاب الراية

ما بين السطور.. من هي أمي..؟؟

لن أتمكن من إحصاء كل الأوصاف التي يمكن أن أضعها تحت اسم أمي

يسألني الطيّبون عن أُمّي، ماذا كانت شخصيّتها، وما الذي كانت تشتهر به في الحي؟

أمي أيها السادة والسيدات، هي المرأة التي فقدت أوّل طفل لها، دون أن تشكو أو أن تنتحب، بل ظلت صامتة حتى رزقها الله بنا.

أمي هي التي تحوّلت ما بين غمضة عين وضحاها من ربة بيت وأم في بيتها التي تحتويه بحركتها الدؤوبة، ورعايتها التي لا تنتهي ليلًا ونهارًا، إلى امرأة تحمل كل أنواع المهن الصعبة، هي أم وأب، وربة بيت، وطباخة، ومن يرعى موازنة البيت، ورعاية الصغار، وقضاء كل حاجياتهم الكثيرة التي لا تنقطع.

هي التي حملت عبء كل هذه المسؤوليات، في زمن لا تخرج فيه المرأة إلا للضرورة القصوى، وكانت تلك الضرورة القصوى هي ما عملت عليها طوال نصف قرن من الزمان.

أمي هي المرأة التي لم تملك يومًا حذاءً بالكعب العالي، الذي تتباهى به النساء فيما بينهن.

أمي هي التي لم تقف يومًا أمام مرآة لتطرح عليها السؤال الحائر: هل هناك من هي أجمل مني..؟

أمي هي التي لم تضع ساعة بمعصمها، ولم تعرف الوقت إلا بنداء الأذان في كل آن، ولم تمتلك محزمًا ذهبيًا، أو أي نوع من المجوهرات.

أمي التي لم تعرف يومًا كيف تتبرج، وكيف تستخدم أدوات التبرج التي لا تستغني عنها النساء سواء قديمًا وحديثًا.

أمي التي لم تتخلَ عن مطبخها الصغير، ولم تتخلَ عن (الشولة) ولم تطالب بما هو أفضل منها وأحدث.

أمي التي كانت تجتمع لديها نساء الحي في كل ضحى، ليتناقلن الأخبار، ويتعرفن ببعضهن كل يوم أكثر فأكثر.

أمي هي التي لم تحمل يومًا قلمًا، ولم تخطّ حرفًا، ولم تعرف كيف تتهجأ كلمة.

أمي التي لم تقف أمام كاميرا الصحافة، ولم تتحدث عن آخر أعمالها، ولم تنشر صورها فوق صفحات المجلات.

أمي التي كانت تجمع مصروفها الشهري، لتشتري به لنا قطعة ذهبية نتباهى بها في المدرسة، بينما هي لا تملك خاتمًا صغيرًا.

أمي التي لم تكن تتركنا في البيت مع الآخرين، لتقضي أوقاتها في الولائم والأفراح والزيارات الطويلة.

أمي التي لم تترك أبي لحظة واحدة عند مرضه، ولم تنسه بعد وفاته، حتى لحقت به.

أمي التي كانت تفضلنا على نفسها، فتقدم لنا أطايب الطعام والملابس، بينما تأكل هي البواقي، وتنسى أن تجلب لها ثيابًا جديدة حتى للعيد.

أمي التي كانت تضعني أمامها لتسرح لي شعري كل يوم، بينما أحاول التهرب منها بكل قوتي ولكن دون جدوى.

أمي تلك التي لم تغلق كفها عن طالب أو محتاج أو فقير، ولم تغلق باب بيتها ليلًا ولا نهارًا، ولم تتراجع عن مساعدة الآخرين حين يطلبونها.

أمي التي سمحت لي بالخروج إلى الإذاعة رغم اعتراض العديد من الأهل والأقرباء في ذلك الزمن، حيث كان صوت المرأة وخروجها من المنزل، عورةً وتمردًا.

أمي التي نفذت وصية أبي بكاملها، حين أوصاها بالسماح لنا نحن البنات بإنهاء تعليمنا في زمن كانت الفتاة تخرج من المرحلة الابتدائية قهرًا لتُزفّ بعد أيام إلى عريس لا تعرفه ولم تره من قبل.

أمي التي عاشت الأحزان، وصارعتها بكل ما لديها من قوة؛ ما تركها بؤرة لكل الأمراض المُزمنة في عمرها المبكر.

عفوًا، لن أتمكن من إحصاء كل الأوصاف التي يمكن أن أضعها تحت اسم أمي، وها هي تغيب للمرة الأولى، حيث غيبها الثرى عن شهر رمضان المبارك، الذي لم يكن يحلو إلا في بيتها العامر، رحمها الله وأسكنها جنة الفردوس الأعلى.

لكن، هل قلت لكم يومًا ما هو اسم أمي..؟؟

إنه الصبر والحب الكبير، ويوم العيد، وشمس النهار، وأمطار الشتاء، ونسيم البحر، ودفء القلوب الجميلة، وطلة البدر والنجوم، وهدايا الأعياد والأسفار والميلاد، ولؤلؤ الأسفار..

فهل عرفتم من هي أمي….؟؟

[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X