fbpx
كتاب الراية

خواطر.. ما عليك من الاسم ركّز في الطعم

الأجهزة الهضمية البشرية لا تهمها المصادر.. فالعين تختار واللسان ذوّاق

سألني أولادي أيّهما أصح، سمبوسة أم سمبوسك؟!، فأجبتهم: مكتوب على علبة العجين سمبوسة، لكن في ناس تقول سمبوسك، أول مرّة أفكّر في الموضوع، فبالنسبة لي إذا كان الطعام طيبًّا غفرت له أصله وفصله واسمه، خاصة إذا كان أجنبيًا أو صينيًا أو إيطاليًا، الاستمتاع بالأكل أفضل من التلعثم بالأسماء!.

لكن حين بحثت في جوجل وجدت أن الجدل حول اللفظ الصحيح مُنتشر ويشمل عددًا من الأطباق الشهيرة، أما عن أصل السمبوسة فهو غالبًا من الهند، وينطقه أهلها سموسا، بينما يقول الفُرس سمبوسج والجيم في آخر الكلمة تُنطق كما في مصر.

اللقيمات مثلًا من أشهى الحلويات في الخليج العربي، ومُكوّنة من الطحين والماء والخميرة وبعض الهيل والزعفران، وتُقلى في الزيت الحار فتنفش على شكل كرات مُتساوية الحجم إن كانت من تصبّها خبيرة، لذا يُسميها البعض صب الجفشة (الملعقة)، ثم تُحلّى بسائل عسلي القوام، وتُسمّى في بلاد الشام عوّامة لأنّها تعوم فوق الزيت، وتكون بنكهة ماء الزهر، وفي مصر يسمونها لُقمة القاضي أو زلابيا، أما في اليونان وعلى ما يبدو أنها بلد المنشأ فيُسمّونها لوكوماديس ويرشونها بالضارسين المطحون.

ورغم كثرة أنواع الحلويات، إلّا أن مكوناتها الأساسية قديمًا تشمل الطحين والماء والسكر والتمور واللوزيات وبعض النكهات المُتوفرة حسب البيئة الجغرافية لنشأتها، إلاّ أن الحركة التجارية والحروب والهجرات، كانت من أسباب اختلاط الحضارات وانتقال التوابل والمواد الغذائية وتطور الزراعة، ثم دخل البيض والحليب وبعض المُنتجات الزراعية مثل الكاكاو والفانيليا وطحين الذرة والفواكه الطازجة أو المُجفّفة والمواد المُصنّعة مثل البيكنج باودر والجيلاتين والكاسترد وغيرهم في تطوير أطباق الحلويات وتنويعها، هذا فضلاً عن بقية الأطباق الشعبية الشهيرة التي انتشرت وتقبّلها الناس وطوروها وأضافوها لموائدهم، بغض النظر عن حقوق الملكية الفكرية!.

وكثيرًا ما يرتبط اسم الغذاء الرئيسي بالحياة، فالعيش هو الرز في الخليج العربي، والعيش هو الخبز في مصر، كما يرتبط اسمه بالمنطقة والفرن، مثل خبز التنور والطابون والتميس والصاج.. إلخ، وهذا حال المأكولات في العالم، كلّها مُشتقّة من هنا وهناك، وكل طاهٍ وشطارته بما توفّر من إمكانات، فالجود من الموجود.

ووجدت نفسي مُبحرة في تقارب الأكلات والمُسميات واختلافها من بلد لآخر، ففي عيد الشكر الأمريكي المنشأ، يطهون ديكًا يُسمّونه «تركي»، بينما يُسميه أهل مصر «ديك رومي»، ويُسميه أهل الشام «ديك حبش!».

أما ورق العنب والمحاشي بشكل عام، فأسماؤها أكثر من مراحل طهيها المُرهقة، وتمتاز ببُعد فلسفي يكمن في تفريغها من مضمونها وحشوها على مزاج الطهاة الذين لا يتقبّلون الأشياء كما هي!.

لقد تقبّلت المعدة البشرية الطعام الأمريكي والأوروبي والصيني والهندي والأفغاني والإيراني والعربي، لكن الناس لم يصرفوا النظر عن فلسفة المحاشي في عدم تقبّل الآخرين، فعند أول جائحة نسينا أفضال الصين ومُنتجاتها وألصقنا بها تهمة حساء الخفافيش، ومن قبلها نسينا فضل الهند التي لولا توابلها لما عرفنا البرياني ولم يكن لطعامنا نكهة، واستغنينا عن السلطنة العثمانية بعد أن أتقنا صُنع الكفتة والبقلاوة.

الأجهزة الهضمية البشرية لا تهمها الأصول والمصادر، فالعين تختار والأنف مُحتار واللسان ذوّاق مُختار، وعندما تُفرز المعدة أحماضها وتقرع طبول الجوف أمعاءها حتى نسمع أصواتها، نأكل دون شروط ونطعم الجوعى دون تمييز.. سقانا الله وإياكم من ماء الريان وأطعمنا وآمننا من الجوع والخوف والابتلاءات.

[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X