fbpx
كتاب الراية

تحت المجهر … لماذا النقد..؟

الدولة في عالمنا العربي مُطالبة بتقبل انتقادات الشعب وعدم الاستعلاء عليه

لماذا يحتاج «المجتمع – الدولة» إلى «النقد»؟ وهل «الفكر النقدي» ضرورة لتطورهما وتقدمهما؟ وما علاقة «العملية النقدية» بالتنمية؟، وما علاقتها بالديمقراطية؟ ثلاثة أسئلة مُتشابكة ومُتداخلة، مُرتبطة ببعضها، إذ يستحيل انفكاك التنمية عن الديمقراطية، أو فصل تطوّر «المُجتمع-الدولة» عن العملية النقدية، أو تمكين الفكر النقدي دون الفهم الصحيح للنقد.

في مسيرتها التاريخية، يتدرّج تطور المُجتمعات عبر خطوات، تكبر وتصغر، مع حركة التاريخ، وتتراكم خبراتها التي تكتسبها نتيجة تفاعل جميع الأفراد من مُفكرين ومثقفين ومُتعلمين وأنصاف مُتعلمين ومن سائر الجماعات والفئات والطبقات، ما يثري النظام السياسي القائم، وتترسّخ مُؤسسات الحكم وتتطور إلى الحداثة. حدث هذا في المُجتمعات الأوروبية عندما أخذت «بالنقد» كمبدأ، و «الفكر النقدي» كمنهجية وخلاص، في عملية ترسيخ قواعد الحداثة التي رأت النور في شتى المجالات.

لكن التفاعل بين مكونات «المُجتمع – الدولة»، من طرف، والأفراد والجماعات من طرف آخر ليس بالضرورة أن يكون على نفس المنوال والاتزان، كما لا يوجب الأمر أن تعتنق الأطراف كلها مذهبًا فكريًا واحدًا، ولا تتساوى وفق رؤى مُشتركة، ولا هي دائمًا على توافق تام، ولا هي على قلب رجل واحد – كما يُقال – بل يجب ألا يكونوا كذلك. فالذي يحتاجه «المجتمع – الدولة» هو «الاختلاف»، و «التناقض»، و «التمايز».

لماذا…؟

الجواب: لأن في «الاختلاف»، تبرز مُعطيات عدة للمُشكلة الواحدة والواقعة المُعينة، وتتحدد ملامح الحلول لها من زوايا مُختلفة وغير منظورة. وفي «التناقض» تكتشف ما خفيَ من تعدّدية في طرح الآراء والأفكار، وبهذا يحصل «المُجتمع» على حركته واندفاعه، وحيويته، وسيرورته. فلولا التناقض لما تحققت أي حركة، مهما كانت. فالمُجتمع الذي يخلو من التناقض هو مُجتمع وصل إلى درجة «السكون» و «الثبات» و «التوقف»، وفيزيائيًا، درجة السكون هذه، هي درجة دنيا، كما هي نهاية للحركية، أي الوصول إلى نقطة «العدمية». و «العدمية»، هنا، تعني عدمية الهدف، أي «المجتمع» الميت، وفي المنظور السياسي تعني «الدولة» الميتة، لتقابلها «الأمة» الغائبة عن حركة التاريخ.

وما يُرسخ «التناقض» في «المُجتمع»، ويؤصّله هو الفكر المبني على «النقد»، وهو فكر كاشف، مُحلل، ومُفكك، ومُكتشف ومُرَكب، كما هو مُبدع ومُخترع. و «النقد»، من جانبه هو عملية تغيير شاملة، تشمل: «العقل» و «الذات» و «الفكر» و «الواقع».

ف «للعقل»: هو تصحيح، وتجديد، وترميم، وتركيب، كما هو تنشيط، وتدريب، واختبار، وإبداع. و «للذات»: فهو إحياء، وسمو، وارتقاء، وتأصيل وتحقيق. واكتمال. و «للفكر»: فهو تأسيس وعي، وتصحيح مسار، وتغيير آلية، ورسم خريطة طريق، واستشراف مستقبل. أما «للواقع»: فهو إيقاظ غيبوبة، وإعلان صحوة، وتجديد قديم، وبناء جديد، وتبديد ظلام، وإنارة طريق، وتفعيل حاضر، وتهيئة مُستقبل.

وحيثما وُجد «النقد»، وُجد «التغيير»، لكن تحقق وتجسد الأخير واقعًا يتطلب في المقام الأول: أن تطرح الأسئلة الممنوعة، وتجاوز الخطوط الحمراء المرسومة، وتُكسر التابوهات الموضوعة، وتُهَدم المُقدّسات المشوهة، المُغيبة للفكر، وتزال التماثيل المعبودة من البشر، وتحطم صروح التراث المجهلة المسكونة في زوايا العقول المريضة.

نعم، لن يكتب النجاح لمسعى تجذير أصول «النقد»، وتحريك «آلياته»، وبناء «قواعده»، وطرح «مناهجه»، إن لم يتم تغيير القناعات المظللة، وتُبدد مخاوف الفشل، ويتم تغيير قواعد اللعبة، ويُعمل على تهيئة النفوس لمرحلة مقبلة، تحلق بأجنحة حرة طليقة، تبلغ عنان السماء، وتحطّ على أرض حاضنة مُستبشرة، ملؤها ترانيم فرح، لترسم أفق وطن جامع، يعمل فيه كل مكوناته بما لديها من الإمكانات وقدرة العطاء والإخلاص، لبناء صروحه، وتحقيق تقدمه وتطوره.

أما «الوطن»: فهو مُعادلة تجتمع عليها طرفان «الدولة» ومُؤسساتها من جهة، و «المجتمع» ومُكوناته في الجهة الأخرى. ولكي يتحقق الاتزان لهذه المُعادلة السحرية، بحيث ألا تميل كفة لطرف على حساب الآخر، فعلى الطرف الأقوى – وهي «الدولة» في عالمنا العربي – تقبّل الطرف الآخر، وتحمّل انتقاداته وإشاراته وتلميحاته وتوجهاته ورغباته التي تصدر عنه، وتجنب الاستعلاء، أو تغليب الرأي من مصدر قوة، والتمسك والاستبداد به، والسير على خط واحد، وسياسة ثابتة لا تتغير مع الظروف الموضوعية. بل الأمر يستدعي المُبادرة، والنزول إلى الشارع، وتحسس نبضه، ورغباته، وتلمس آلامه، والبحث عن مكامن الفقر والظلم والقهر والعمل على رفعها، قبل استفحالها، والاجتهاد على تحديد طرائق تحقيق السعادة والراحة لعموم الشعب، وكسب رضاهم، والعمل الجاد على تحقيق شعار «الحكومة والدولة في خدمة الشعب»، عوضًا عن أن يكون «الشعب» هو الذي يكون خادمًا لـ «الحكومة» و «الدولة» معًا.

[email protected]

twitter:@DrIbrahim60

اقرأ أيضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق