المحليات

الشمائل المحمدية.. اللهُمَّ اهْد دَوْسًا

السيرة النبوية زاخرة بالمواقف التربوية المضيئة التي تنير للمسلمين ـ عامة ـ والدعاة إلى الله والمربين ـ خاصة ـ طريقهم في الدعوة والتربية والإصلاح، والتي ينبغي الاستفادة منها والاقتداء بصاحبها صلى الله عليه وسلم في التعامل مع الآخرين ولو كانوا كافرين بديننا، أو مخالفين لنا، قال الله تعالى: «لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا».. الأحزاب:21.
ومن المواقف النبوية في ذلك: موقف النبي صلى الله عليه وسلم مع الطفيل بن عمرو الدوسي رضي الله عنه حين طلب منه أن يدعو الله على قبيلته دوْس لعصيانها لله عزّ وجلّ وامتناعها عن الإسلام، فردَّ النبي صلوات الله وسلامه على طلبه قائلًا: «اللهُمَّ اهْدِ دَوْسًَا وأتِ بهم». فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «قدِم الطُّفَيل وأصحابه فقالوا: يا رسول الله! إنَّ دَوسا قد كفَرتْ وأبَتْ، فادعُ اللهَ عليها ـ فقيل: هلكتْ دَوس ـ، فقال صلى الله عليه وسلم: اللهمَّ اهدِ دَوْسًا وأتِ بهم» رواه مسلم. قال القاري: «اللهم اهد دوسًا وأتِ بهم» أي: إلى المدينة مهاجرين، أو قربهم إلى طريق المسلمين، وأقبل بقلوبهم إلى قبول الدين. وقوله: «فقيل: هلكتْ دَوس» لأنَّهم ظنُّوا أن النبي صلى الله عليه وسلم سيدعو عليهم فَيستجيب الله عز وجل له، لكن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم اهدِ دوسًا»، وأمَر الطُّفيل رضي الله عنه بالرجوعِ إلى قومه ودعوتهم إلى الله، والترفُّقِ بهم. روى السيوطي في الخصائص الكبرى، والبيهقي في دلائل النبوة، وابن كثير في البداية والنهاية، وابن هشام في السيرة النبوية وغيرهم، أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن دعا لدوس بالهداية أمَر الطُّفيل رضي الله عنه بالرجوعِ إلى قومِه ودَعوتِهم إلى اللهِ، والترفُّقِ بهم، فقال: «ارجع إلى قومك فادعهم إلى الله وارفق بهم، قال: فرجعتُ إليهم فلم أزل بأرض دوس أدعوهم إلى الله، ثم قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن أسلم معي من قومي، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر، فنزلت المدينة بسبعين أو ثمانين بيتًا من دوس، ثم لحقنا برسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر فأسهم لنا مع المسلمين».
وفي هذا الموقف النبوي مع الطفيل رضي الله عنه الكثير من الدروس والفوائد التي ينبغي الوقوف معها والاستفادة منها، ومن ذلك الرحمة بالمدعو والشفقة عليه، وإن كان كافرًا أو عاصيًا: وقد ظهر ذلك حين قال الطفيل رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم: «يا رسول الله، إن دوسًا قد عصت وأبت فادع الله عليهم»، فدعا لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالهداية، وهذا يدل على مدى حلمه ورحمته وشفقته صلوات الله وسلامه عليه حتى مع الكافرين.

العلامات
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X