fbpx
فنون وثقافة
كنوز تراثية

مثلثات قطرب

الدوحة – الراية:

قال تعالى: «ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ»- سورة النحل الآية 125.
لا شك أنه ليس كل عالم هو مُعلّم وليس كل بليغ خطيبًا، فالقول إما أن يُقال فجًا مُنفرًا فلا يأتي بالنتيجة المرجوة منه، وإما أن يأتي ليّنًا حسنًا حكيمًا فيكون له وقع عظيم في النفوس العاقلة المُستنيرة، ذلك هو الفرق بين معرفة الأمر وتعريفه للآخرين وكما الفرق بين رجل يعرف قواعد اللغة لكنه لا يُحسن التأثير في الآخرين، وبين خطيب إذا اعتلى المنبر أسر الناس بخطابته ومواعظه، وكاتب إذا كتب استمتع قارئوه بما خطّت يداه، وكتاب يُشعرك بالضجر من أولى صفحاته فتتركه، وبما أن الله قد أمر بالحكمة والموعظة الحسنة في الدعاء إلى سبيله جاء حرص فطاحلة اللغة العربية الأولين على تزيين خطابهم بالكلمات الجميلة والأساليب المُشوقة ووضعوا لذلك مبادئ كثيرة وخطّوا كتبًا في ذلك ومن بين هذه المؤلفات التي أضافت إلى أسلوب الخطابة في اللغة العربية «مثلثات قطرب»، وهي دراسة لغوية دلالية للمُفردات التي تتفق في البناء الصرفي من حيث ترتيب الحروف، وتختلف حركاتها. وسُميت مثلثات لأنها تجمع كل ثلاث كلمات في مجموعة، تتغير معانيها حسب حركاتها. ومُؤلفها الشهير ب «قطرب» هو أبو علي محمد بن المُستنير بن أحمد البصري تلميذ سيبويه والمتوفى سنة 206 هجرية.
والمثلث عند العرب هو كل ثلاث كلمات سواء أكانت اسمًا أم فعلًا، اتفقت أوزانها وتعادلت أقسامها ولم تختلف إلا في حركاتها التي تورث اختلافًا في المعنى بين الكلمات الثلاث، فإننا أمام المثلث المُختلف المعنى، مثل: الغَمر والغُمر والغِمر، و»قطرب» حين عمل كتابه في المُثلث قصره على هذا النوع من المثلثات.

وقد اهتم اللغويون بالمثلثات لعدة فوائد أولاها التوسع في بناء الجُمل لأن المثلث المتفق في المعنى يجعل للمعنى أكثر من لفظ ليعين القائل على التعبير عما يدور في نفسه، كما أن اختلاف المعاني يُفيد توسعًا فيها وزيادة في بناء الجملة الذي هو زيادة للمعنى، أما الإضافة الأهم للمُثلثات فتكمن في أن هذا التنوع الظريف في المعاني وبناء الجمل يُعين الكاتب على بيان فصاحته من خلال أساليب البلاغة كالسجع والطباق والجناس، وهذا الحشد من الكلمات أثرى خطباء اللغة العربية.
ومن خلال النسخة التي اطلعت عليها جريدة الراية والتي أمدّنا بها أحفاد فضيلة الشيخ حامد بن أحمد المرواني (1865 -1940 م) والتي خُطت بخط والده ومُعلمه الأول الشيخ أحمد المرواني – والمُؤرّخة في السابع من شهر ربيع الأول من العام 1274 من الهجرة النبوية المُباركة والمُوافقة 1857 ميلادية – يتبين لنا أحد أسباب تميز شيخنا الجليل حامد بأسلوب الخطابة البليغ القادر على لفت انتباه المُصلين وإحكامه على تركيزهم وعقولهم من خلال مُجملات البلاغة وأساليب الجناس والطباق والسجع، ما جعل خطبه ومواعظه ذات أثر في نفوس المُصلين في مساجد الدوحة التي كان يخطب بها شيخنا الجليل في تلك الفترة وهما مسجد الفيحاني وجامع بوالقبيب، خاصة أن في تلك الفترة الزمنية كانت هذه الأساليب البلاغية والجمالية من الأمور النادرة، وقد امتازت خطب الشيخ حامد، رحمة الله عليه، بتنوعها ما بين الخطب المُطلقة والخطب البليغة والخطب المُخصّصة للمُناسبات الدينية المُختلفة.
كما أن وجود مخطوطة قطرية ل»مُثلثات قطرب» يزيد عمرها على المئة والستين عامًا لا شك يغني التراث القطري المُتنوع والمُتميز في العديد من المجالات الثقافية.

العلامات
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق