fbpx
كتاب الراية

فيض الخاطر.. صراع الأجيال..  سُنّة كونية

تجاوز الخلافات بين الآباء والأبناء يكون بالتعقل والواقعية

صراع الأجيال سُنّة كونية منها الخلافات التي قد تنشأ بين الآباء والأبناء في أمور الحياة، وأقول في أمور الحياة، لأنّ الثوابت الدينية تخرج عن دائرة الخلاف من منظور عقدي لا يتهاون في المسائل الدينية الثابتة والمسلَّم بها شرعًا، ففي هذه المسائل يصبح الخلاف ضربًا من الانحراف النفسي أو الأخلاقي الذي ينأى عن صراع الأجيال، ليدخل دائرة المحظورات التي يصبح الخلاف حولها ضربًا من التعنت القسري الخاضع للمزاج الفردي المنحرف.

وكثيرة هي مظاهر الخلاف بين الأجيال لدرجة الصراع حول كثير من الأشياء، وهو أمر قائم على مستجدات الحياة التي تفاجئ الأجيال الجديدة، وتصطدم في الغالب مع ما تعودت عليه الأجيال السابقة من قيم أخلاقية وسلوكيات تبدو في نظر الأجيال الجديدة غير منسجمة مع ما تقدمه الحياة الجديدة من معطيات في مختلف المجالات، وهذا النوع من الصراع قد يتحول إلى عداء سافر بين جيلَين اكتسب كل واحد منهما قيمه الحياتية من الظروف المحيطة به لتصبح مع الزمن عقيدة راسخة يصعب التخلي عنها لصالح ما يستجد على هذه القيم المكتسبة عبر فترات زمانية أو مكانية مختلفة.

من الأقوال المأثورة: «لا تكرهوا أولادكم على آثاركم فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم» وهو قول يصيب كبد الحقيقة على مستوى الممارسات الحياتية بقواعدها المتوارثة، لكنه يجانب الصواب فيما يتعلق بجوهر الثوابت الدينية التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، فالخطوط الحمراء التي لا يمكن تجاوزها دينيًا لا تحتمل الصراع أو الخلاف الذي قد يتحول إلى تجديف لا تحمد عقباه مهما كانت أسبابه ودوافعه وأهدافه.

والصراع بين الأجيال إذا بلغ حدته ربما أدى إلى نتائج كارثية بين جيلَين اختلفت نظرتهما لكثير من الأمور، في الوقت الذي يمكن استثماره من خلال الخروج به من دائرة الخلاف، والبقاء به في دائرة الاختلاف الذي هو من طبيعة الحياة وأسباب تطورها، لمواكبة مستجداتها المذهلة، حيث لا يمكن حجر العقل عنها للتفاعل معها والاستفادة من إنجازاتها في الوصول لحياة عصرية أفضل.

لكن المؤسف هو تعنت أحد الطرفين في الانتصار لمواقفه رغم إدراكه أن الطرف الآخر ينظر إلى الأمور بمنظار آخر، متأثرًا بما حوله من سلوكيات البشر ومكتسبات العصر، وكثيرة هي المواقف الحادة التي تنشأ بين الآباء والأبناء حول أمور يمكن تجاوز الخلاف حولها بشيء من التعقل والواقعية، وهذا النوع من الخلافات ربما تسبب في التطاحن المؤدي إلى الفرقة بين طرفين يفترض أن تكون العلاقة بينهما قائمة على الاحترام والتفاهم، واستيعاب حقيقة ديمومة هذا الصراع الذي لا يمكن الخلاص منه ما دام الإنسان على قيد الحياة، وقد تمتد آثاره السلبية إلى ما بعد ذلك عندما يتوارث الأبناء خلافاتهم الأسرية، وتتوسع دائرة هذه الخلافات، رغم إمكانات السيطرة عليها وحصرها في نطاق ضيق، وربما تجاوزها نهائيًا عند إخضاعها لمفاهيم تستوعب الواجبات كما تستوعب الحقوق، فما من مكتسبات للإنسان إلا ومعها واجبات يفترض الالتزام بها لضمان استمرار تلك الحقوق. والآباء الذين يقفون موقفًا سلبيًا من مواقف أبنائهم التي لا تتفق مع نظرتهم للحياة، هي تمامًا كالمواقف التي يتبناها الأبناء تجاه مواقف آبائهم، ولا يرون فيها سوى التخلف عن مواكبة الحياة الجديدة، وكلا الطرفين يرتكب الخطأ نفسه، لأنه ينظر إلى الأمور نظرة محدودة تفتقد الشمولية والواقعية ولا تراعي سُنة التطور الإنساني، وفي الوقت نفسه تلغي قيمًا إنسانية خالدة تتجسد في العلاقة الروحية بين الآباء والأبناء. ولن تستقيم الحياة في مسارها الطبيعي ما لم يتعلم كل طرف أنه لكي يأخذ لا بد أن يعطي، لتستقيم الحياة في مسارها الطبيعي، بما فيها من سلبيات وإيجابيات هي من سنة هذه الحياة، التي لا يمكن التخلص منها بأي حال من الأحوال.

[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X