fbpx
المنتدى

فلسطين .. كلمة سر الليل!

أرض فلسطين ينبوع كرامة لا يبخل على الأمة بالأحرار

بقلم – سليم عزوز

عندما أراد الرئيس السادات أن ينقلب على عقبيه، ويُبرم صلحًا مع إسرائيل، كانت دعاية إعلامه، التي سرعان ما انتشرت انتشار النار في الهشيم، تقول: إن الفلسطينيين باعوا أرضهم!.

وعندما بدا أن الفلسطينيين قد انشغلوا عن قضيتهم، وبدت غزة المُحاصرة لا تستطيع ضربًا في الأرض، جرت مُعاملتهم على أنهم أيتام على موائد اللئام، واندفع هؤلاء اللئام يتحدّثون عن صفقة القرن، التي تدور حول تخصيص «قطعة أرض» في سيناء، لقيام دولة فلسطين!.

وعندما بدت قضية فلسطين كما لو كانت قد صارت ذكرى، وجدها البعض فرصة مُواتية للاندفاع في التطبيع مع الكيان الإسرائيلي، وبدت هذه هي لغة العصر، والتفكير المنطقي، وبدا التعامل مع نتنياهو على أنه مانح صكوك الغفران، وزعيم المنطقة!.

بيد أن الأيام القليلة الماضية نسفت كل هذه الدعايات، وأثبتت أن قضية فلسطين لا تزال حيّة، وأن الشعب الفلسطيني قادر على إحيائها، لا يضره من ضل، ولا يضعفه من خذله، وإذ بالفلسطيني الذي أذاعوا ونشروا أنه باع أرضه مُتمسّك بتراب القدس، وإذ به يُقاوم المُستوطنين الذين أغاروا على البيوت، وبسبب هذه المُقاومة يتم اللجوء للقضاء الإسرائيلي لإسباغ شرعية على عملية اغتصاب البيوت، وإذ بالفلسطيني الذي رُمي بأنه باع أرضه يقف شامخًا دفاعًا عن هذه الأرض، التي بدأ دفاعه عنها منذ قدوم العصابات الصهيونية إلى بلاده، واستمر إلى الآن مقاومًا!.

الشعب الفلسطيني هو الذي قاوم المُخطط الخبيث بشراء البيوت القريبة من القدس بملايين الدولارات، وبأضعاف ثمنها الحقيقي، وهي المُحاولة التي تم اللجوء إليها كمرحلة تالية لمُحاولة اغتصاب هذه المنازل، وشاهدنا على الشاشات فلسطينيين يُعلنون أن كنوز الدنيا لا تساوي ثمنًا لبيوتهم التي تبدو مُتواضعة، لكنها عظيمة بقربها من المسجد الأقصى!.

لقد توافد الآلاف إلى المسجد الأقصى على مدى الأيام الماضية لحمايته، غير مُبالين بالآلة العسكرية الإسرائيلية، وبالمياه القذرة التي يُغرِقون المُصلين بها، وذهبوا لحماية المسجد: الشيوخ، والشباب، والنساء، والأطفال، وكأن أرض فلسطين ينبوع كرامة، لا يبخل على الأمّة بإغراق الأرض بهذا الطوفان من الأحرار، وفي كل فترة تبدو فيها قضية فلسطين وقد انتهت ويتصرّف فيها المُخلّفون من الأعراب على هذا الأساس!.

لقد غادر ترامب، الذي تبنى مشروع صفقة القرن، وانتهى هذا المشروع بنهايته، تمامًا كما انتهى بما حدث في القدس مُؤخرًا، فقد ظنّ ترامب أن القضية الفلسطينية ماتت، وأن الشعب الفلسطيني صار ذكرى ومن هنا وجدوا أنهم معنيون برسم تقرير مصيره، وبدا الفلسطينيون كما لو كانوا خارج دائرة الأمر، فلم يهتم أحد بوضعهم «في الصورة»، فهم من الضعف بمكان، إلى حد أن هناك من يتولى بالنيابة عنهم البحث لهم عن وطن بديل، في انتظار أن تتفق الدول الأطراف في المُعادلة!.

ولو كان ترامب حاكمًا الآن، لعلم بهذا الحضور الفلسطيني المُفاجئ له، أنه كان يلهو ويلعب، وأنّ هذا الشعب المُتمسّك بتراب فلسطين، لا يمكن إجلاؤه عنه، باستبدال أرض مكان أرض، وبيوت مكان بيوت، فليست كل البيوت سواء، وليست كل الأرض، أرض فلسطين!.

وهذا الحضور للشعب الفلسطيني، على مدى الأيام الماضية، قلب المُعادلة، وأكّد أن ما استقر عليه الحال من أن إسرائيل هي الرقم الوحيد الصحيح في المنطقة، وأن لغة العصر هي في التقرّب إليها بالنوافل، كلها أوهام في قلوب عليها أقفالها، وهواجس في نفوس ضعيفة وأقوام يخافون من خيالهم، وقد أغراهم صمت شعب فلسطين، فلمّا تكلم إذا به يجعل عاليها سافلها، وأنه مُتمسّك بتراب أرضه، وجدران منازله، وبأقصاه حتى وإن غاب العرب، وصارت فلسطين قضيته هو، حتى وإن تقاعس المُسلمون عن نُصرة المسجد الأقصى، فقد تعاملوا على أن المسجد يخصّهم وإن لم يخص أحدًا غيرهم!.

وعلى مدد الشوف، يبدو هذا الزحام لا أحد، فالشعوب العربية ترزح تحت وطأة حكّام يستمدون شرعيتهم من نتنياهو، فحتى التظاهر لنُصرة قضية فلسطين والمسجد الأقصى لم يعد مسموحًا به، لكن الشعب الفلسطيني نجح في أن يُرسل رسالة للجميع، أنه ليس هو من يُفرّط في مُقدّساته، وليس هو من يتنازل عن أرضه، وليس هو من باع أو لديه استعداد لأن يبيع أرضه، وكما قالت مقدسية في شموخ: ولا بكنوز الدنيا!

وبهذا الإصرار العجيب، نجح الفلسطينيون في أن يفرضوا أنفسهم على العالم الغربي، فارتفعت أصوات هنا وهناك مُنّددة بالإجرام الإسرائيلي، وهي أصوات ما كان لها أن ترتفع لو أن الفلسطينيين يقومون بدور الضحايا، الذين يستعذبون العذاب، والذين يُقدّمون أنفسهم للمُعتدين على أنهم لقمة سائغة، وأداة سهلة على الاقتلاع!

وكان مشهد الشبان والفتيات الفلسطينيين وهم في قبضة قوات الاحتلال ويُوزّعون ابتساماتهم للكاميرات، رسالة نصر، لم تزد المُنبطحين إلا وبالًا!،

ولا يمكن أن نختم هذه السطور، دون التطرّق لموقف قناة الجزيرة، المحطة التلفزيونية الوحيدة، التي نقلت للعالم هذه المُواجهة، وهذه الغطرسة الإسرائيلية، وفي المُقابل هذا الصمود الفلسطيني العجيب.

لقد أخطأ من ظن أنه قادر على أن يكون نائبًا عن الشعب الفلسطيني في إقرار مصيره من «المجموعة إياها» الخاصة بصفقة القرن.

وأخطأ من اعتقد أن العزة عند نتنياهو، فها هو نتنياهو يعترف بأنه رغم التفافهم حوله لكن مُشكلته في حصار الجماهير العربية.

وأجرم من قال ومن روّج ومن صدّق أن الفلسطينيين باعوا أرضهم، فها هو الفلسطيني يُدافع عن أرضه تحت تهديد السلاح، وغيره من فرّط في الأرض بغير حرب أو مُواجهة!.

وها هي الأحداث تثبت أنه عندما تضيع البوصلة، فينبغي أن نولّي وجوهنا إلى فلسطين فهي بوصلتنا!.

وعندما تخور قوانا فيجب أن ننظر لشعب فلسطين لنستمد منه قوتنا!.

وعندما نفتقد للنور، فينبغي أن نعلم أن الشمس والقمر تشرقان من هناك!.

وعندما يضيع مُعسكرنا، فإن الاهتداء إليه يكون بذكر كلمة سر الليل!.

ففلسطين هي كلمة سر الليل.

كاتب وصحفي مصري

[email protected]

العلامات
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X