fbpx
المنتدى

لا تسألوني لماذا

أملي الوحيد بزيارة القدس معلق بجموع الشعب الفلسطيني

بقلم – توجان فيصل

في حرب «الأيّام السّتّة»، والتسمية دالة على فداحة ما جرى، كنتُ طالبةَ مدرسة، أوقفت تلك الحرب آخر امتحان لنا في مادة أضمن فيها علامة كاملة. وقرّر والدي انتقالنا من بيتنا في الشارع الرئيسي في عمّان (شارع الأمير محمد) لبيت خالتي في بلدة وادي السير القريبة (أصبحت الآن جزءًا من غرب عمّان)، كنوع من الحماية النفسية فقط لنا. فوادي السير ليست أبعد بل هي أقرب للضفة الغربية للأردن، ولهذا مرّ بها مدنيون فارّون من ويلات الحرب بصورة أدّت لفقدان أمٍّ لطفل رضيع فيها.. فجيء بالطفل لخالتي المعروفة بفيض إنسانيتها، وقرّرت من فورها تبنّيه وأرسلت للصيدلية من يشتري له رضاعة وحليب أطفال، وبقية لزوم الأطفال.. ولكن أمّه المكلومة ظهرت واستردّته شاكرة طيب استقباله.. كل شيء كان مفاجئًا وخارقًا لكل منطق. ولزمتني عقودٌ لأكتشف حقيقة ما جرى.

ففي تلك الفترة كنت أقرب لكتاب مفتوحةٍ صفحاتُه البيضاء على كلّ العلوم والمعارف والأدب، لهوسي بالقراءة بما تضمنته كتب الفلاسفة بدءًا من الإغريق منذ وقع بين يدي – نتيجة جردي لمكتبة المدرسة-، كتاب اسمه «المائدة» وهو من محاورات أفلاطون التي بطلها سقراط.. وهذا شكّل بداية انفتاحي على الفلسفة، وكل ما كان ينشر عربيًا ومترجمًا للعربية، مُضافًا له الأدب من مُختلف مصادره العالمية.. كنت- في هذا- تلميذة منفتحة على الإنسانية جمعاء بما يؤهّلني لأكون «مواطنة عالمية» بحقّ. ولم أكن مسيّسة بأي معيار، بل مؤمنة بتسمية جان بول سارتر للسياسة بكونها مهنة «الأيدي القذرة».

في خضم ما كان يجري كنت معنية فقط بالعودة لإكمال امتحاناتي ومؤمنة بأن تلك العودة هي مسألة أيام فقط.. وجاء خبر «سقوط القدس» الذي سمّر الجميع.. ووحدي انفجرت باكية بحرقة أرعبت أهلي عليّ، ثم أبكتهم معي جميعًا بما حوّل الأمر «لمناحة «.. ولا تسألوني لماذا، فليست لدي أية إجابة لحينه من ضمن الخيارات المتاحة كلها كما في امتحانات «اختيار الإجابة»! هو كسؤال لماذا أمّك أو لماذا «عمّان»، ومن يلي أمك، (أو طفلك، ولكن ذلك كان قبلَ تفاجُئِي المماثل بمشاعر الأمومة).. لا تسألوني، فلحينه لا أملك أية إجابة شافية، ولحينه لم أرتضِ الذهاب «لفلسطين» وزيارة القدس لرفضي المرور عبر مراكز «حدود» تسمّى «أمنية» يحكمها الجيش الإسرائيلي! وكذلك فعل المرحوم زوجي المولود في القدس لأب نابلسي وأمٍّ مقدسية.. والذي سكن في جوار الأقصى وكان يلعب في سنوات عمره الخمس الأولى في ساحة الحرم.

ولكنني في رحلة العودة من برلين بعد أن بات الطيران الأردني يعبر فضاء الأراضي الفلسطينية المحتلة، اخترت الجلوس في مقعد نافذة لأشاهد فلسطين بدءًا من ساحلها، وكان هذا من أروع وأقسى ما شهدت.. وبعدها تصادف (على الأرجح) أن شعرت بوهن وبأنني أجذب لحفرة عميقة مظلمة، فاستدعيت المضيفة وبالكاد أخبرتها بما بي قبل أن أفقد الوعي.. وحين أفقت بعد فترة لا أعرف كم طالت، كان الجالس بجانبي في المقعد الذي كان فيه من قبلُ السفير الألماني عائدًا لعمّان حينها، طبيب فلسطيني جرى استدعاؤه بطلب طبيب من بين ركاب الطائرة.. ولا أدري ما قام به الطبيب لإعادة صحوي، فقد أعلن أنه لم يعرف سبب ما جرى لي.. ولكنه قال لي بأسى عميق: إنه قد يكون نتيجة «للأجواء المعادية»! ولم تثبت الفحوصات التي أجريتها بعد وصولي سببًا يدحض هذا التشخيص.

والآن في ظلّ ما يجري في المسجد الأقصى، أعلن أن أملي الوحيد والمتجدد بقوة الآن (الاثنين، العاشر من مايو – أيار شهر النكبة، الثامن والعشرون من شهر رمضان المُبارك)، في زيارة القدس قبل رحيلي عن هذه الدنيا مُعلقٌ حصريًّا على جموع الشعب الفلسطيني وبلا مساحة للمُشاركة لأية جهة أخرى مصنّفة سياسيًا.

وإن رحلت عن هذه الدنيا قبل تحقيق أملي ذاك، أؤمنُ بأن هذا الجيش الشعبي وحدَه من سيتيح لأولادي أن يزورُوا مسقط رأس والدهم، وأن يلعب أحفادي في ساحة الأقصى بأمان.

ولا تسألوني لماذا، ففي الفم ماءٌ بطعم الدم.

كاتبة أردنية

العلامات
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X