fbpx
كتاب الراية

تحت المجهر.. الفساد المالي = الفساد الاجتماعي

شبكات المصالح والأمراض الاجتماعية أهم أسباب الفساد في الوطن العربي

هناك مثل مشهور يعرفه القاصي والداني، وهذا المثل مرتبط بموضوع المقال، وهو «الفساد المالي» الذي ينخر المجتمعات العربية، ومنها بطبيعة الحال مُجتمعاتنا ودولنا الخليجية ذات الوفرة المالية، التي تتنعم بها غالبية المواطنين والمُقيمين، وفي مقدمتهم طبقات وفئات معينة قريبة من مصدر توزيع الوفرة، ولعقود عدة استفادت تلك الفئات من العمليات التنموية المُتسارعة، فبنت ونمت ثرواتها، وترعرعت وتشابكت مصالحها وتجاراتها أفقيًا ورأسيًا وفي جميع القطاعات والمجالات.
والمثل الذي نقصده هو: «المال السايب يعلم السرقة»، فكل مال متروك بلا رقابة فعلية وبآليات قانونية تنظيمية مُعقدة وضوابط تسلسلية، تجعلها مُعرضة لحدوث تجاوزات وانتهاكات من الداخل أو الخارج، فهو صيد سهل يجذب القلوب الضعيفة والعقول المريضة والنفوس المُجرمة على حدٍ سواء.
وتحتاج تلك الآليات أن تكون مبنية على جملة من القوانين والآليات حتى يكتب لها النجاح، ويصعب اختراقها، وتجاوزها وكسر أقفالها، ومنها على سبيل المثال: تجنب تركيز مراكز الثروة في يد واحدة، أي تحت سيطرة فردية، فالنوازع البشرية تميل دائمًا إلى المنفعة الذاتية، والاستغلال الشخصي، والاستحواذ، المؤدّي إلى الفساد، لوقوع النفس تحت ضغوط الإغراءات مهما كان الإنسان مُحصنًا بالقيم الدينيّة والمُثل والمبادئ والأخلاق، ولنعترف أن شهوة المال لها قوة السيطرة، وأن مُجتمعاتنا أصبحت مادية بدرجة كبيرة. فليس من المُستغرب أن نسمع بين الحين والآخر، في عالمنا العربي حدوث تعدٍ على المال العام من رؤساء دول ورؤساء وزارات ومُديري بنوك وقادة مدنيين وعسكريين ومديرين عموميين وحتى من موظفين صغار.
هذه صورة من صور الفساد، التي يتم التركيز عليها من مختلف وسائل الإعلام ومن عموم الناس، وتتحرك لكشفه الأجهزة الأمنية وتنشغل به المحاكم، لكننا ننسى صورًا أخرى من الفساد غير «الفساد المالي»، الذي هو أكثر ضررًا على المُجتمع، بأفراده ومؤسساته وعلى الدولة ببنيتها الداخلية وبرامجها التنموية.
الصورة الأخرى هي: «الفساد الاجتماعي»، الذي لا يخضع للمُساءلة الجماعية، ولا للرقابة الذاتية، ولا لأذرع الحكومة، ولا يلقى اهتمام الإعلام، ولا يحس به نبض الشارع، ولا يُحضر له ميزان عدالة الشارع، ولا تُقرع له طبول المُنادين: «أن اصحوا يا نايمين».
لماذا؟.. لأن «الفساد المالي» فاعلُه محددٌ ومعروف، وضحيته مالٌ مكشوف، والمال يمكن تعويضه واسترداده، أما «الفساد الاجتماعي» ففاعلوه كُثر، ومفاعيله طويلة الأثر، فهو يطال الجميع: المجتمع، والحكومة، والدولة.
لكن السؤال المهم الواجب طرحه الآن: أين نجد «الفساد الاجتماعي».؟ وما ملامحه؟ وما صفاته؟ وما تأثيراته؟ ومآلاته ؟ وما مدى خطورته وجسامة حضوره ووجوده في المجتمع؟.
«الفساد الاجتماعي» الذي يجب محاربته ذاتيًا من الداخل، أولًا: ومجتمعيًا برفض جسمه وفكره ومنطقه، ثانيًا: إزالته بالقانون، ثالثًا: موجودٌ بيننا، فهو ينمو ويتكاثر ويتنفس من بحيرة آسنة تخرج منها روائح نتنة، تزكم الأنوف. وهو ينخر في ضمير المجتمع ويحفر في وجدانه، ويدعوه للسقوط في الأخلاق والقيم والمبادئ، ويقضي على حقوق الناس الضعفاء المكشوفين المؤمنين بتكافؤ الفرص والمساواة في الوظيفة والعمل وتوزيع الثروات. وهو ينهي حياة الكفء، ويحرمه من مستقبل واعد، ويسلب المجتمع من كفاءته وقدراته، وتُهدر المواهب والطاقات الخَيّرة، وتخسر الدولة بالتالي بنيتها الإنسانية، وسمعتها، وتُشوّه تاريخها، وتخدش مستقبلها.
«المحسوبية» و»الواسطة» و»التفضيل» و»شيلني وشيلك» و»أنا وابن عمي على الغريب» و»اخدمني أخدمك»، كلها عناوين للفساد، فنجده مثلًا: في تعيين وزير أو مدير عام أو موظف عمومي لقريب له من عائلته أو قبيلته أو عشيرته أو من شلته، بطرق ملتوية ونفعية وتفاضلية وغير قانونية، وهذا النوع من «الفساد الاجتماعي»، لا يُحقق المساواة بين المواطنين/‏المواطنات ويأكل حقوقهم.
تفضيل أجنبي على مواطن/‏مواطنة لشغل مركز معين في القطاع العام الحكومي أو شبه الحكومي أو الأهلي، هو من «الفساد الاجتماعي» الضار الذي يحرم المواطن/‏المواطنة من فرص العمل، ويزرع الكراهية، وينهي مفهوم التوطين ويصيبه في مقتل.
وعندما يشغل فرد واحد عدة مناصب في وقت واحد، وكأنه «سوبر مان»، فهذا أيضًا من «الفساد الاجتماعي»، لأنه يحرم الآخرين من الفرص الوظيفية ومن إبراز قدراتهم، ويقطع سريان دم الجديد باستحواذ «قلة معينة» على كل شيء.
ويتجلى هذا «الفساد الاجتماعي» كذلك، عندما يتنقل مدير أو عميد كلية أو رئيس قسم ما بين منصب وآخر، وعمادة وأخرى طوال حياته الوظيفية، وكأن «ماكو في هالبلد غير هالولد»، بينما تموت الكفاءات وتحال أخرى إلى التقاعد، بينما هؤلاء يتناوبون الكراسي في اطمئنان.
وعندما يرفع التاجر والوكيل أسعار سلع معينة يحتكرونها على المُستهلك مئات المرات، مع علمه بأن أرباحه فيها شبهات، وهو مُعفى من ضرائب الدخل، ويحصل على تسهيلات حكومية وبنكية، هنا يقع عمله في دائرة «الفساد الاجتماعي» المنبوذ.
ما بينته، جزء يسير من صور «الفساد الاجتماعي»، الذي يشارك فيه، وللأسف، الجميع، والمفارقة أن لدى الجميع المُبررات والحيثيات لتبرير أفعالهم، ويرونها طبيعية طالما الغير يفعل ذات الشيء.
من هنا فإن مسؤولية المجتمع مُحاربة هذا «الفساد الاجتماعي»، وإنهاؤه للأبد، حتى لا يعم الخسران كل البلد.

[email protected]

twitter:@DrIbrahim60

العلامات
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X