fbpx
كتاب الراية

عن شيء ما… هل جعلتنا التكنولوجيا أكثر سعادة ؟

نفتقد حياة آبائنا وأجدادنا الذين عاشوا دفء التواصل الواقعي

هل جعلتنا التكنولوجيا أكثر سعادة؟ وهل نحن أسعد من أجدادنا البشر البدائيين ممن سبقونا في عصور ما قبل الحضارة، آخر إحصائية عن الاكتئاب تسجل زيادة بنسبة 20% عما كانت عليه قبل 10 سنوات، ولا ننسى منظمة الصحة العالمية التي صرحت بأن هناك حالة انتحار بمعدل كل 40 ثانية!

أي 800 ألف شخص يموتون سنويًا منتحرين، ومعدل حالات القلق والتوتر زادت في الشرق الأوسط بنسبة ارتفاع 15%، كما أن نسبة استخدام مضادات الاكتئاب ارتفعت هي الأخرى 400% من عام 1998 إلى 2008م.

وتسجل آخر الإحصائيات أن معظمنا يستخدم هاتفة الجوال حاليًا حوالي 4 ساعات كاملة يوميًا، وإذا كنت عزيزي القارئ منهم، فإنك تكون قد قضيت 4 سنوات ونصف السنة من حياتك على هاتفك النقال، أضف إليها 8 سنوات على مشاهدة التلفاز، هل هي كارثة حقيقية؟.

أما الفيسبوك فله شأن آخر، ويشاهده يوميًا أكثر من 800 مليون مستخدم فعال، وبالرغم من أن استخدام الإنترنت بطريقة زائدة عن الحد أو بإدمان يؤثر على قدرة الإنسان على إنجاز المهام المتعددة وكذلك على معرفة الأولويات، إلا أننا رغم كل ذلك ما زلنا نرغب بشدة بالتواصل الاجتماعي وبشكل مكثف بل ومَرَضي في أحيان كثيرة.

والحقيقة أن استخدام هذه المواقع يزيد من إفراز مادة الدوبامين، فعندما يتفاعل الآخرون معنا ليسجلوا إعجابهم في صفحاتنا مثلًا ويضعوا لنا تعليقاتهم أيًا كانت، فإن هذا التفاعل يمنحنا الشعور بالسعادة، لأن مركز المكافأة في مخ الإنسان يتفاعل أكثر لإنتاج هذا الهرمون عندما يتحدث الإنسان عن نفسه، كما أن 80% من مواضيعنا في مواقع التواصل الاجتماعي تدور حولنا، أي حول حديث المستخدم عن نفسه، الأمر الذي يختلف عن المحادثة الطبيعية، فالمحادثة وجهًا لوجه مع الآخرين تجعل الشخص يتحدث عن نفسه قليلًا ويشاركه الآخر في الحديث عن نفسه أيضًا – أي محادثة تفاعلية – أما على مواقع التواصل فأغلبية هذا التواصل تكون متمحورة حول الشخص نفسه وما يرغب به وما يحب أن يشاهد أو يعرف أو يتحدث عنه.

هل هذا يعني أننا نتعلق بالإنترنت لأننا أشخاص نرجسيون بالضرورة؟

ربما .. فنرجسيتنا تدفعنا للرغبة في التحدث عن أنفسنا، وهذا الموضوع بدوره يؤثر على مخ الإنسان كتأثير المخدرات تمامًا حتى ظهرت فوبيا اسمها (نوموفوبيا) أي الهلع والخوف من عدم تواجد الهاتف معنا طوال الوقت وهو أكثر انتشارًا في فئة الشباب، والعوارض عبارة عن عدم امتلاك القدرة على إطفاء الهاتف، وتفقد الرسائل الإلكترونية والرسائل النصية والمكالمات التي لم يجب عليها بهوَس، التأكد من شحن البطارية باستمرار، وعدم القدرة على التخلي عن الهاتف حتى أثناء دخول الحمام!

مع كل هذه الإحصائيات أشعر وكأننا نبدو كأجيال حالية أكثر تعاسة من الأجيال الماضية، ومع ذلك فإن التكنولوجيا ومواقع التواصل الاجتماعي لها تأثير إيجابي وليس سلبيًا فقط، فاحتمالية نجاح العلاقات التي تبدأ من خلال شبكة الإنترنت كبيرة، ذلك أننا نبحث من خلالها عن الأشخاص الذين يشاركوننا اهتماماتنا، هذا إذا ما صدق الآخر في تقديم شخصيته ولم يكن مزيفًا، إضافة إلى إرسال الوثائق بسرعة فائقة، والتبضّع دون جهد لمن يحتاج .. إلخ.

فالتواصل – كما كل شيء – له سلبياته وإيجابياته حسب طريقة استخدامنا له، إما أن يحسّن من حياتنا أو يزيدها سوءًا وبؤسًا، لكن الأكيد أننا قادمون لا محالة على عصر جديد سنصبح فيه كائنات إلكترونية بامتياز، ولكم أن تتخيلوا كم سنفتقد حياة آبائنا وأجدادنا الذين عاشوا دفء التواصل الحقيقي الواقعي، ولم يعانوا يومًا من القلق أو الاكتئاب أو النرجسية، فيكفي أن تشاهد أخبار العالم المأسوية التي تصلك من كل حدب وصوب، حتى تمتص كل الطاقة السلبية التي تبثها لك هذه الشبكة العنكبوتية وتزيدك همًا وبؤسًا، ما يُعيدنا للسؤال مرة أخرى: هل جعلتنا التكنولوجيا أكثر سعادة؟ أترك لكل منكم جوابه.

[email protected]

العلامات
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X