fbpx
كتاب الراية

فيض الخاطر.. التربية المثالية للأطفال

علينا الاعتراف بالمساهمة في جنوح أبنائنا لسلوكيات مرفوضة

هل يمكنُ أن تتحققَ التربيةُ المثالية للأطفال؟ هذا السؤال كثيرًا ما وقف التربويّون وأولياء الأمور أمامه حائرين، إذا رأوا أطفالًا ينزلقون أو هم في طريقهم للانزلاق إلى العادات والسلوكيات والتصرفات التي لا توحي في مجملها بتحقيق الأمان التربوي، ولا تطمئن على مستقبل الأجيال الجديدة، وحتى لا نغرق في الأحلام علينا الاعتراف بأن التربية المثالية بيننا وبينها «خرط القتاد»، أمام هذا السيل الجارف من الغزو الثقافي والمقتنيات العصرية التي يتعرض لها الأطفال، لتقودهم إلى غير ما نأمل لهم من السلوك الحسن والتصرف السليم والجدية في التعامل مع الحياة. وحتى لا نضع اللوم كاملًا على الأطفال، علينا أن نعترف بأننا نسهم بشكل أو بآخر في توفير الأجواء لهم لكي يجنحوا إلى تلك السلوكيات التي لا نرضى عنها، ثم نلومهم، والأولى أن نلوم أنفسنا، بسبب تسرعنا في تلبية رغباتهم دون التفكير في نتائج هذا التصرف، وباختصار علينا أن نعيد النظر في تعاملنا مع طلباتهم، خاصة تلك التي يحاولون بها تقليد أقرانهم، أو السير على خُطى من يعجبون بهم من الشخصيات العامة، خاصة تلك الشخصيات الشهيرة في الرياضة أو الفنّ، أو ما شابه ذلك، ممن يُفتتنُ الأطفال بتصرفاتهم، وطريقة كلامهم، وألوان وأشكال ملابسهم.
وعندما نقول: إن هناك مؤامرة على أطفالنا من قوى خارجية، تريد تدمير الأمة عن طريق تدمير أخلاق ناشئيها، ننسى أننا نسهم في هذه المؤامرة -إن وجدت- في مساعدتهم، إما بغض الطرف عن تصرفاتهم، أو بتدليلهم لدرجة الاستجابة لهذا الوضع والرضا به وتلبية كل طلبات الأطفال، في إطار التدليل، والدلال الزائد أشد خطرًا على الأطفال من التعنيف المحظور قانونيًا.
ثمة مراحل عمرية للأطفال يمارسون فيها نشاطهم الزائد، تليها فترة الانفجار في الأهواء والرغبات وحبّ التملك لديهم، وكل مرحلة تقتضي تعاملًا محددًا مع الأطفال، إذ لا يمكن التصادم معهم، وفي الوقت نفسه لا يمكن التسيّب وترك الحبل على الغارب لهم، بل يلزم التعامل معهم بحكمة ووفق منظور تربويّ يتناسب مع كل مرحلة عمرية لكل طفل، فهناك خطوط تربوية لا يمكن تجاوزها من قبل الأطفال، وعليهم أن يفهموا أن تجاوز هذه الخطوط ستترتب عليه عواقب، كما أن هناك ثوابت دينية وأخلاقية وإنسانية لا بد أن ينشأ عليها هؤلاء الأطفال، وهذه مسؤولية مباشرة يتحملها الآباء دون نقاش، وإلا أصبحوا وكأنهم يتآمرون على أطفالهم وإن لم يقصدوا ذلك. انشغال الآباء والأمهات عن أطفالهم يعني ترك تربيتهم لمن يجهلون أصول التربية السليمة، خاصة من الجنسيات الأخرى التي تعتنق قيمًا ومبادئ بعيدة عن قيمنا ومبادئنا، فماذا تكون النتيجة غير تربية هجين، يُلَقّنُها الأطفالُ، ليصلوا إلى درجة اليقين بصوابها، وإذا واجهوا الأهل والمجتمع عرفوا بطلانها، وذلك لا يولّد سوى أجيال مشوّهة التفكير، لا تملك السيطرة على رغباتها وأهوائها، بعد أن تعودت على وجود كل شيء، متاحًا أمامها، سواء أكان نافعًا أم ضارًا، وحينها يصطدم الأهل بما وصل إليه أبناؤهم من وضع لا يرضيهم، ويكون الاصطدام بين أهل أهمَلوا وأبناء تسيّبوا، يخرجون إلى الحياة وكأنهم غرباء في مجتمعهم، وربما احتاجوا إلى سنوات للتكيّف مع واقع لا مفرّ لهم من الانسياق مع تياراته.
كلنا نعرف أن التربية مسؤولية، لكنها مسؤولية تحتاج إلى وعي بخطورتها، وبهذا الوعي يمكن قيادة سفينة تربية الأطفال، والعبور بها في أمواج عاتية من الغزو الثقافي وتقنيات العصر، للوصول بها وهي مطمئنة إلى شواطئ الأمان الأسريّ الذي يحقق الأمان المجتمعيّ ويساعد على المشاركة مُستقبلًا في الحراك التنموي الوطني الشامل، وبذلك يمكن الاقتراب ولو قليلًا من التربية المثاليّة للأطفال.

[email protected]

 

العلامات
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X