fbpx
كتاب الراية

همسة ود.. سوء الظنّ وتدمير الذات

الإسلام يدعو إلى حسن الظن بالناس والابتعاد عن سوء الظن

لم أعثر على كتابي، فاشتبَهت بأن ابن جاري قد سرَقه، فشرعت بمراقبته، فكانت مشيته مشية سارق كتاب، وكان الكلام الذي ينطق به، مثل كلام سارق كتاب، وتصرفاته تفضحه وكأنه سارق كتاب، فبتّ ليلتي ساهرًا، حزينًا، أضناني التفكير مما جرى لي مع ابن جاري.

وبصورة غير متوقّعة، وبينما كنت أقلب مكتبتي، عثرت على الكتاب!

وعندما نظرت إلى ابن جاري في اليوم التالي من جديد، لم يَظهر لي شيءٌ لا في مشيته ولا في هيئته ولا في سلوكه بما يوحي أنه سارق الكتاب.

ليلة أمس كنت أنا أكبر سارق.. فعندما اتهمت ابن جاري ظلمًا سرقت أمانته وبراءته.. وعندما بتّ في حزن وأرق، سرقت يومًا من حياتي.

في أوقات كثيرة تحكمنا مشاعرنا، وشكوكنا، وظنوننا، فنخطئ الحكم، ونسيء لمن حولنا.

سوء الظن ‏قد يجعلك تتخيل ما لا يوجد، وحسن الظن ‏قد يجعلك تتجاهل ما هو مؤكد، حياتنا من صنع أفكارنا.

فأدركتُ لحظتها أنني أنا مَن كان اللص، لقد سرقتُ من جاري أمانته وذمته، وسرقتُ من عمري ليلة كاملة أمضيتها ساهرًا أفكِّر كيف أواجه بالتهمة رجلًا بريئًا منها!.

قصة قصيرة تحمل معاني جميلة، وعبرة عن سوء الظن بالآخر وكيف يمكن لسوء الظن أن يدمر دواخل الإنسان ويفسد عليه حياته، وقد يدفعه لارتكاب أفعال يندم عليها بقية حياته.

وكما أقول دائمًا: إن حسن الظن بالناس يحتاج منا إلى كثير من مجاهدة النفس لحملها على ذلك، فإننا حين نجتهد في التماس الأعذار لغيرنا نريح أنفسنا من عناء الظن السيئ ونتجنّب الإكثار من اللوم للغير في نفس الوقت.

الإسلام دين يدعو إلى حسن الظن بالناس والابتعاد كل البعد عن سوء الظن بهم، فسرائر الناس ودواخلهم لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى وحده فقط، قال تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ».

إنّ سوء الظن بالآخر يؤدي إلى الخصومات والعداوات، وقطع الصلات، والمسلم مأمور بأن يحسن الظن بإخوانه، وأن يحمل ما يصدر عنهم من قول أو فعل على محمل حسن ما لم يتحول الظن إلى يقين جازم، فما أحوج مجتمعاتنا اليوم إلى الأخذ بحسن الظن سواء على المستوى الفردي أو بين الجماعات، فنحن نواجه مشكلة في العلاقة بين الجماعات.

فينبغي على كل إنسان مؤمن عاقل أن يتجاوز هذه الحالة وينظر إلى الآخرين نظرة إيجابية، وذلك لأنّ التفكير الإيجابي يلعب دورًا مهمًا في سعادة الإنسان وفي إنجازاته التي يحققها في حياته العمليّة، فقد توصلت نتائج الأبحاث إلى أن التفكير الإيجابي يُساعد على إدارة الضغوط، وبالتالي حياة وصحة أفضل للإنسان الذي يمارسه.

وكما قال الشاعر:

تأنَّ ولا تعجل بلومك صاحبًا

لعلَّ له عذرًا وأنت تلوم

[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X