fbpx
كتاب الراية

الباب المفتوح… آمال عريضة

امتلاك المال لا يعطي الحق في تحريف القيم

المال مُكون للتصنيف الائتماني والتجاري

موضوع أثر المال على السلوك الإنساني وجدت أنه لا بد من العودة إلى حقبة الثورة الصناعية في أوروبا، ووجدت أن الكاتب الإنجليزي الكبير تشارلز ديكنز (1812-1870) وهو من أعظم كتاب الأدب الإنجليزي، وعُرف كمصلح وناقد اجتماعي قد كتب في هذا الموضوع في روايته المشهورة (الآمال العظيمة).

أستشهد برأي ديكنز في معظم ما جاء فيه، حيث يرى أن الإنسان بطبيعة تكوينه لديه الميول نحو النرجسية إذا ما أتيحت له الفرصة، ففي إبّان الثورة الصناعية في أوروبا أخذت الرأسمالية تتكون بشدة وظهرت الطبقات الاجتماعية المرتكزة على المال، وتركزت الثروة في يد فئات على حساب فئات أخرى، وبالتالي كانت النتيجة ظهور القطاعات الفقيرة جدًا التي لا تملك قوت يومها، ما أدى إلى انتشار الجريمة والفساد، وأصبح المال وحده الذي يصنع الطبقة النبيلة ليس نبلًا في جيناتهم، وإنما من خلال توفير التعليم المناسب والبيئة السليمة للتنشئة، وغير ذلك من سبل الرفاهية، لكن كما ذكر تشارلز ديكنز في روايته (الآمال العظيمة) أنه إذا لم يستخدم المال بالطريقة السليمة وهي ببساطة كما أراها ما يوافق الفطرة السليمة، فإن المال لا مَحالة سيكون وبالًا على صاحبه.

وعطفًا على الأثر المباشر وغير المباشر للمال على السلوك الإنساني فلا بد من الإشارة في عجالة إلى مكونات الشخصية، التي تفرز بدورها السلوك الإنساني، حيث إن هناك أكثر من تعريف للشخصية، آخذ منها هنا ما يلائم طبيعة الموضوع.

وتتكون الشخصية من الموروثات الجينية التي تمثل الصفات الوراثية ومن الفطرة الإنسانية (الخلقة) ومن البيئة المحيطة الأسرية والاجتماعية، وهي الأكثر تأثيرًا على السلوك، وحيث إن المال أثر على مفاهيم صياغة القيم الأساسية مثل العدالة والمساواة والإنسانية فقد رأى ديكنز أن مفاهيم الجشع وحب الثروة وعدم النظر إلى الفئات الفقيرة على أساس المبادئ الإنسانية إنما أصبحت قيمًا مقبولة بل ومبادئ لا بد من الالتزام بها عند أصحاب المال، وأصبحت هذه هي القيم السائدة إبّان العصر الفيكتوري، تحديدًا في بريطانيا وأوروبا.

وبالنظر إلى أثر المال على الطبقات الفقيرة أيضًا فقد أثّر بشكل مباشر على السلوك والمفاهيم ومنظومة القيم، فأصبح لدى الفقير المعدم مُبرّر قيمي أنه لا ضير من سرقة الغني، وأن الجريمة لا تتنافى مع الأخلاق، وبالتالي خلق المالُ خللًا في التوازن الأخلاقي القيمي، أدى إلى انتشار الفساد في تلك الحقبة حتى جاءت الأنظمة والقوانين لتنظم السلوك التجاري والمالي الذي انعكس إيجابًا على السلوك الإنساني.

إلا أنني أرى أن رواسب تلك الأفكار – امتزاجًا مع المركب السلبي الطبيعي في النفس البشرية – قد أفرزت منظومة قيم إنسانية شرعنت السلوك النرجسي الأناني عند بعض أصحاب الثروة، حيث أصبح يقبل السلوكيات التي تعارض الفطرة السليمة، التي ذكرنا سالفًا أنها أحد مكونات الشخصية، ويرفض عن قناعة بل ويدافع عن وجهة نظره في رفض ما تقبله الفطرة.

إن امتلاك المال لا يعني بشكل من الأشكال تميّز صاحبه عن غيره من الناس سلبًا أو إيجابًا إلا بمقدار استخدام ذلك الشخص للمال بالطريقة التي يخدم بها المجتمع، وإن امتلاك المال لا يعطي لأحد الحق في تحريف منظومة القيم الأخلاقية الفطرية المقبولة، على ذلك فإن المجتمعات المُتقدمة في عصرنا الراهن قد أدركت حقيقة ذلك، إلا أن هذا قد استغرق وقتًا طويلًا وجهدًا كثيرًا حتى أدركت المجتمعات الأوروبية ذلك (المجتمع الإنجليري) محل الدراسة وقاموا بتعديل كل القوانين التي من شأنها أن تميّز بين الناس على أساس امتلاك المال، كما أنه قد تم تعديل منظومة القيم المجتمعية، بحيث لا تميز سلوكيًا أو قانونيًا بين غني وفقير.

ولما كانت التجربة والمشاهدة هما أساسا المعرفة، لذا وجب علينا في مجتمعاتنا ألا نستغرق زمنًا طويلًا في تعديل منظومتنا القيمية، التي لا شك أنها تأثرت بالمال، حيث إن نتائج تجارب الآخرين متاحة لنستفيد منها، ولنتذكر أننا فقط مؤتمنون على ما نملك وحسن أمانتنا بحسن إدارتنا وحسن إدارتنا بحسن أخلاقنا، وعلى طريق الشرفاء هذه تحيّة.

[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X