fbpx
كتاب الراية

ضوء أخضر.. جَبْر الخواطر وجَوف المَخاطر

اجبُروا خواطر من يقفون على أبوابكم ويسألونكم.. أقضوا لهم ما يريدون

من أجمل الصفات التي يمكن أن يتحلى بها الإنسان «جَبْرُ الخواطر» لما فيها من عطاءٍ إنساني لا يخبو وَهَجُه، وقدرةٍ على إزاحة الهمّ والغمّ، ودَمْل الجراح الغائرة، وتحلية مذاق الحياة، سواء كان ذلك بكلمة أو اتصال أو إيماءة أو نظرة أو تعاطف.

وربما يكون مجرد وجود إنسان ما بالقرب منك هو أكبر جبر للخاطر، كما أن ذاك الجبر قد يأتي على هيئة قصيدة أو رسالة أو رواية أو كتاب، وربما يتجسَّد في مشاعر إنسانية عديدة تبدأ من المُصافحة وحتى الوداع، هذا الطيف من تَمَثُّلات «جَبْرُ الخواطر» يعيدني إلى ما قرأته مرَّة في كتاب تفسير «أبو إسحق الزجاج» لأسماء الله الحسنى: (ومنها «الجَبَّار» وجاء فيه: الذِي يَجْبُرُ الفَقرَ بِالغِنَى، والمَرَضَ بِالصِحَّةِ، والخَيبَةَ والفَشَلَ بالتَّوْفِيقِ والأَمَلِ، والخَوفَ والحزنَ بالأَمنِ والاطمِئنَانِ، فَهُوَ جَبَّارٌ مُتصِفٌ بِكَثْرَةِ جَبْرِهِ حَوَائِجَ الخَلَائِقِ).

ومما لا شك فيه أن جَبْرَ الخواطر خُلُقٌ إسلامي عظيم، يدلُّ على سموِّ نفس، وعظمة قلبٍ، وسلامة صدر، ورجاحة عقل، يَجبُر المسلمُ فيه نفوسًا كُسِرَتْ، وقلوبًا فُطِرت، وأجسادًا أُرهقَت، وتطييب الخاطر لا يحتاج إلى كثير جهدٍ، ولا كبير طاقةٍ، فربما يكفي البعض كلمةٌ مِن ذكرٍ، أو دعاء، أو موعظة، وربما يحتاج الآخر إلى مساعدة، وينتظر البعض قضاءَ حاجةٍ، ويكتفي البعض الآخر بابتسامة، فعلينا أن نَجتهد بإدخال الفرح والسرور إلى قلوب إخواننا، ولا نبخَل على أنفسنا، فالصدقةُ والخير نَفْعُه يعود إليك.

وعندما يسألونكَ عن أعظم الأعمال الإنسانية في الحياة، قل لهم: «جَبْرُ الخواطر»، وكيف لا تجبر بخاطر الناس وربك اسمه «الجَبَّار» الذي يجبُر أجساد وقلوب عباده ويمدهم ب (مراهم الصحة)، و(ضمادات السعادة)، و(مسكّنات الأوجاع)، و(دواء الهموم)، إن إماطة الأذى عن مشاعر وقلوب الناس لا يقل درجة عن إماطة الأذى عن طريقهم.. فالحياة بأكملها لا تساوي شيئًا مقابل فرحة أبنائك أو زوجتك أو أخيك أو صديقك أو أي شخص تصادفه عندما تقوم بجبر خاطرهم، ف (قبول الاعتذار) جبر خاطر.. (زيارة المريض) جبر خاطر.. (إهداء الهدية) جبر خاطر.. تعزية (أهل الميت) جبر خاطر.. (تبسّمك في وجه أخيك) جبر خاطر.. (مواساة المظلوم) جبر خاطر.. (مساعدة الفقير) و(إطعام المسكين) جبر خاطر.

أجبروا خواطر من يقفون على أبوابكم ويسألونكم، أقضوا لهم ما يريدون، فإن لم تقدروا على هذا فكلمة رقيقة ووعد مقرون بمشيئة الله أن تحاولوا، وقديمًا قالوا: «من سَارَ بينَ النَّاسِ جابرًا للخَواطرِ أدركَه اللهُ في جَوفِ المَخاطرِ»، كما أن «جَبْر الخواطر» سواء كان كلمة أو فعلًا، له طاقة إيجابية كبيرة ينعكس مردودها على الإنسان، فهو من الأخلاق التي حثَّنا عليها ديننا الحنيف، وهي تكشف عن كرم النفوس وصفائها ورفعتها، وتعكس سلوكًا عمليًّا تبنّاه نبينا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام والسلف الصالح من بعدهم.

وفي ختام هذا المقال أتمنى أن يقوم المختصون والباحثون والمهتمون بالصحة النفسية والدعم النفسي والاجتماعي، خصوصًا في حالات الطوارئ بجمع تراث ثقافتنا الإسلامية في «جَبْر الخواطر» لتوظيفه واستخدامه ضمن أدبيات العمل الإنساني في المناطق المأزومة والمنكوبة في العالمين العربي والإسلامي والمجتمعات الفقيرة، والاستفادة منه في تحسين الأحوال النفسية للمعرضين للكروب الشديدة من النازحين واللاجئين والمهجرين وضحايا الكوارث والحروب، والمرضى والغارمين وأصحاب الحاجة، فما أجمل هذه العبادة وما أعظم أثرها، كما يقول الإمام سفيان الثوري: «ما رأيت عبادة يتقرب بها العبد إلي ربه مثل جبر خاطر أخيه المسلم».

والله ولي التوفيق.

أستاذ الهيدروجيولوجيا والبيئة بجامعة قطر

[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X