fbpx
كتاب الراية

ما بين السطور.. العالم بين يديك

عقولنا تتوقف أحيانًا كثيرة.. وتتخطى الذكريات السابقة وتنسى الأمور الجديدة

ذات يوم، أخبرني أحد الأبناء، أنه حين كان في المرحلة الإعدادية من الدراسة، حذره معلم الرياضيات من استخدام الآلة الحاسبة في تمارين الرياضيات، وقال له بالحرف الواحد:

 استخدم عقلك فقط، فهل تعتقد أنك ستتمكن من حمل الآلة الحاسبة في جيبك طول العمر..؟ربما كان هذا القول ينطبق حينذاك على معظم الأرجاء من حولنا، فقد كان من البعيد جدًا أن نتوقع أننا لن نحمل فقط الآلة الحاسبة في جيوبنا، بل العالم كله.. لست هنا أعيب على معلم الرياضيات الذي كان مثل الكثير من أقرانه، ممن لا يمكنهم التحليق بخيالهم أبعد من قوانين الأرقام ونظريات الرياضيات.. وكان ذلك شأننا نحن حين كنا في نفس العمر.. فقد كنا نعتقد بأن الحياة ستظل كما هي، ولن تتغير أبدًا إلى الأمام، وكنا ننسى أن الزمن يدور ويستمر في الدوران والمضيّ إلى الأمام، إلى الغد، وإلى المستقبل، وأن هناك أصنافًا من البشر، كل همهم هو الغد، وكيف يهيئون الغد للإنسان الجديد، الذي لم يكن قد ولد بعد.. في ذلك الحين، كنا نعتبر أي آلة جديدة، حدثًا جديدًا وعجيبًا، وكلما حصل أحد الآباء على أي من تلك الأجهزة الحديثة آنذاك، تحلق الجيران والأقارب صغيرهم وكبيرهم، وهم ينتظرون رؤية ذلك الجهاز العجيب، وكأنهم ينتظرون خروج المارد من الصندوق المغلف للجهاز، ليقول لهم: شبيك لبيك… فما إن يخرج ذلك الاختراع العجيب من قمقمه، حتى يظل مَعلمًا هامًا للرؤية واجتذاب الأهل والأقارب من كل مكان.. أذكر أن الهاتف القديم لدينا كان قد وضِع له قفل صغير عند أحد الأرقام، حتى لا يُسمح لأحد باللهو فيه واستخدامه دون حذر أو تبرير..

فقد كان العديد من الجيران يحضرون معهم أوراقًا صغيرة كُتبت عليها أرقام لا يمكن قراءتها وفك طلاسمها إلا بتجارب كثيرة.. وحين دخل التلفاز إلى المنازل، كان يجب على الجميع احترامه، حين يعمل وحين لا يعمل.. حيث كان كخزانة صغيرة جميلة الشكل، ببابيها المميزين، اللذين يُفتحان بالسحب يمينًا ويسارًا، طبعًا بعد استخدام المفتاح الخاص بها.. وكان هناك صمت إجباري، ومحاولة إسكات أي محاولة للنطق، فما دام التلفاز يعرض برامجه بالأبيض والأسود، فعلى الجميع احترامه، واحترام المادة المقدمة من خلال الشاشة الفضية.

غسالة الملابس كان لها نفس التأثير، إلا أنّ أحدًا لم يعد يحلق حولها إلا في بداية إدخالها للمنزل، فقد كانت حدثًا فريدًا حينها، فقد حملت عن ربات البيوت العبء الأكبر في غسيل الملابس، في الفرك والعصر، ولم يبق إلا النشر فقط.

حين نرى الماضي بعين الزمن الحاضر، نشعر بالفروق الكثيرة والواضحة جدًا، بين الآلة الحاسبة يدويًا، والكمبيوتر، والهاتف الجوال.

لم نكن نفكر أننا في يوم ما، لن نضطر لكتابة الرسائل الطويلة التي تتطلب أيامًا عدة لوصولها للمستلم، فقد أصبحت الرسائل فقط بضغطة زر..

الرسائل والحاسبة، والطابعة، والتلفاز، والسينما، والمواقع الجغرافية، والموسوعات العلمية، والروايات، والإعلانات، والكاميرا، والفيديو…

بل الأدهى من ذلك أن ذلك التطور لا يتوقف لحظة واحدة من الزمن.. عقولنا تتوقف أحيانًا كثيرة، وتتخطى الذكريات السابقة، وتنسى الأمور الجديدة التي حملناها إياها.. ورغم ذلك يظل هذا العقل البشري هو الأقوى وهو الأبقى، مهما تطورت تلك التقنيات والأجهزة، ومهما مرت الأزمان والقرون، خاصة أن الذي صنعها هو عقل بشري.. فسبحان الله.

[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X