fbpx
كتاب الراية

الاختيار.. خواطر

بالرغم من ارتفاع الوعي المجتمعيّ.. إلا أنّ إقبال الشباب على الزواج قلَّ من كلا الطرفَين

اختلفت طُرق التعلم وتأدية الاختبارات في العالم منذ ظهور «كوفيد-19»، لكنّها اختلفتْ بشكلٍ عام ومُتسارعٍ عبرَ الأجيالِ التي عاصرْناها، وكان للأبناء والآباء وهيئة التدريس نصيبٌ من ضغوطِ التأقلمِ لاستيعابِ التغييرِ ومُواكبةِ المسارِ التعليمي.

في السابقِ، لم يكنْ مبدأُ الاختيارِ مُتاحًا بما يتناسبُ مع رغباتِنا وقدراتِنا الفرديّة، ولم يكن هناك مراعاةٌ للفروقِ الفرديّةِ بينَ التلاميذِ، ولا للقُدراتِ التربويةِ والتعليميّةِ لهيئةِ التدريسِ والأهالي من حيثُ طرق التربيةِ والاختلافات البيئيّة والمجتمعيّة.

لقد كان أجدادُنا وأهلُنا يظنّون أن نصيبَهم من المعاناةِ يفوقُ الأجيالَ اللاحقة، رغم أنّهم كانوا يتبعون سياسةَ الإجبار المريحة لهم، لكنْ لكل جيلٍ تحدياتُه ومتاعبُه والتزاماتُه، لذا لم يكنْ لجيلِنا بُدٌّ عن تعلّمِ لغاتٍ أجنبية ولغةِ الحاسوب والإنترنت، للتمكن من العملِ والتواصلِ مع هيئةِ التعليم ومصادرِ التعلّم، ومِن ثَمَّ البحث عن الجامعاتِ المعتمدةِ بعد تقديمِ عددٍ من اختباراتِ القَبولِ خارجَ إطارِ الوزارة، وذلك بالبحثِ الشخصي ومُراسلةِ الجامعاتِ والسفاراتِ وتسديد رسومٍ إضافية ومُنفصلةٍ عن رسومِ المدارسِ، ولم يكن هذا التحوّلُ النوّعيُّ سهْلًا فيما يتعلّقُ بالانفتاحِ على فضاءِ الاختياراتِ الذي لم يكن لنا به خبرةٌ.

إذ كان الاختيارُ الوحيدُ في مدارسِنا حتى الثمانينياتِ في الصفّ الثاني الثانوي، مَحْصورًا بين العلمي والأدبي، ومن اختارَ العلمي، لا مناصَ له من دراسة عشرةِ كتبِ لغةٍ عربية وعلوم شرعية وفوقها كتاب مجتمعي وآخر عن تاريخ العلم والعلماء، أما كتبُ الرياضيات فكانت متنوّعةً بين الجبر والتفاضل والتكامل والميكانيكا والإحصاء واللوغاريتمات، إضافةً للكيمياء والأحياء والفيزياء، وكانت الاختبارات النهائية تجمع مادتَين في اليوم علميّة وأدبيّة.

لكنّ شهادة الثانوية العامة كانت تَحْسِب نتيجة اختبارات نهاية العام الدراسي فقط، وهو ما تغيّر لاحقًا ليصبح التقييم بِناءً على المتوسّط العام لنتائج الطالب خلال الاختبارات على مدار العام الدراسيّ، وهو تغييرٌ مُنصفٌ وإيجابي.

اليوم، الموادُّ مختصرةٌ والاختباراتُ موزّعةٌ، وفضاءُ الاختياراتِ متاحٌ للطلاب ضمن توجهاتهم المستقبلية في مراحلَ مُبكّرةٍ برعاية الإرشاد الأكاديمي، الذي من شأنه توجيههم لتحديد الموادّ بِناءً على التخصّص الذي يرغبون دراسته في الجامعة، كما أُضيف للمتطلبات الجامعية الهوايات والخِدمة المجتمعية والأعمال التطوعية، فأضافت التجارب الشخصية خلال سنوات الدراسة متعةً وخبرة عملية، أما الأهالي فأصبحوا مُجبرين على الانخراط في متابعة شؤون الأبناء بكافة التفاصيل والتطورات النفسية والجسدية والقدرات الفردية، التي لم تكن تلْقَى عناية واهتمامًا كافيَيْنِ، إذ كان السائدُ الضغطَ على الأبناء للمُذاكرة المنزلية ولساعات طويلة، فالطالب كان بنظرهم إمّا مثابرًا وإمّا كسولًا، إمّا غبيًا وإمّا ذكيًا، إلى غير ذلك من تقييم محدود لا يشمل جوانب شخصيّته ومواهبه وميوله التي لم تبرزها المدرسةُ ولا نتيجة الامتحان.

اليوم، بعد النجاح والتخرّج الذي كلف سنوات من الجهد والعناء المعنوي والمادي للطلاب والأهالي الذين لديهم عددٌ من الأبناء الجامعيّين، تأتي مرحلة التوظيف، الذي أصبح صعبًا في ظلّ ظروف العالم الاقتصاديّة والسياسيّة والاجتماعية، وهو ما أدّى إلى البطالة المؤقّتة، ومن ثَمَّ العزوف عن الزواج أو التأخّر فيه، نتيجة الخوف من المسؤولية والضغوط المادية في ظلّ غلاء المعيشة، فهل سيتمّ استحداث وظائف جديدة، أم أنّ تكنولوجيا التطبيقات الرقمية والعمل عن بُعد سيقلصان مزيدًا من الأعمال والموظّفين؟

فبالرغم من ارتفاع الوعي المجتمعيّ، وحرص الفتيات على العمل للمُشاركة في أعباء الحياة وإثبات الذات وضمان مُستوى معيشة مريح، إلا أنّ الإقبال على الزواج قلَّ من كلا الطرفَين، وإن تمَّ فنسبة الطلاق كبيرة، فهل كان لمُمارسة حقّ الاختيار المُبكّر تأثيرٌ، وهل كان للوعي بحقوق الإنسان عامة، وبالحقوق والواجبات الزوجية لكلا الطرفين أثرٌ في ذلك؟

هذه الظاهرة مُنتشرة في الوطن العربيّ، فكيف سنتمكّن من تحديد الأسباب وإيجاد الحلول المُناسبة لتقليصها؟

[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X