fbpx
كتاب الراية

فيض الخاطر.. السلف الصالح والخلف الطالح

فرق بين من تأدّب فأنقذه أدبه.. وبين من اتكأ على أمجاد فتعرض للمهانة

من أغرب الحكايات وأطرفها ما حُكي عن الحجاج ابن يوسف الثقفي من أنه أرسل أحد حراسه ليطوف بالليل، فمن وجده بعد العِشاء ضرب عنقه، وذات ليلة وجد ثلاثة من الشباب في حالة غير طبيعية، فأحاط بهم وقال: من أنتم حتى خالفتم أمر الأمير؟ فقال الأول:
أنا ابن من دانت الرقاب له
ما بين مخزومها وهاشمها
تأتي إليه الرقاب صاغرة
يأخذ من مالها ومن دمها
فأمسك عن قتله وقال: لعله من أقارب أمير المؤمنين، وقال الثاني:
أنا ابن الذي لا ينزل الدهر قِدْرَه
وإن نزلت يومًا فسوف تعود
ترى الناس أفواجًا إلى ضوء ناره
فمن قائم حولها وقعود
فأمسك عن قتله وقال: لعله من أشراف العرب، وقال الثالث:
أنا ابن الذي خاض الصفوف بعزمه
وقوّمها بالسيف حتى استقامتِ
ركباه لا تنفك رجلاه عنهما
إذا الخيل يوم الكريهة ولّتِ
فأمسك عن قتله وقال لعله من شجعان العرب.
فلما أصبح رفع أمرهم إلى الحجاج فأحضرهم وكشف عن حالهم، فإذا الأول ابن حلاق يأخذ الدم بالحجامة، والثاني ابن فوال قِدْرُهُ لا ينزل من النار، والثالث بن حائك، ركبتاه لا تفارق رجليه من كثرة الجلوس، فتعجب الحجاج من فصاحتهم، وقال لجلسائه: علموا أولادكم الأدب، فوالله لولا فصاحتهم لضُربتْ أعناقهم. وقال:
كن ابن من شئت واكتسب أدبا
يغنيك محموده عن النسبِ
إن الفتى من يقول هأنذا
ليس الفتى من يقول كان أبي
وهناك فرق شاسع بين هذا النوع من التصرف، وغيره مما نلاحظه عند بعض من كساهم الغرور، وأخذوا يتفاخرون بأنسابهم وجاه آبائهم وسلطة ذويهم، ويستندون في حياتهم على نفوذ غيرهم، ويأنفون من مخالطة عامة الناس، وتأخذهم (النفخة الكذابة) لادعاء القرب من علية القوم، ويخاطبون غيرهم بفوقية متعالية، وهم متكئون على أمجاد آبائهم وأجدادهم، أما ماذا قدموا لأنفسهم ولغيرهم من خير فحساباتهم في هذا المجال صفر، ومع ذلك تظهر العنجهية أو القبلية أو العنصرية على كل تصرفاتهم، لأنهم يعتقدون واهمين أنهم (خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راحِ) وما هم من ذلك في شيء، وإنما هي نعرات جاهلية قادتهم إلى خيام التنطع بأمجاد لم تكن لهم يد فيها، وعاشوا عالة على أمجاد موروثة لا حق لهم في ادعاء الانتساب إليها.
وفرق بين من تأدب فأنقذه أدبه من الهلاك، وبين من اتكأ على أمجاد آبائه وأجداده، فقاده ذلك إلى المهانة، وأقول إلى المهانة لأن معادن الرجال تقاس بما عملوا لا بما عمله أسلافهم، لأنهم بذلك يكونون أسوأ خلف لأحسن سلف، وفي الحديث (من بطّأ به عملُه لم يسّرع به نسبُه).
والناس كلهم من آدم وآدم من تراب.
قال الشاعر:
إذ افتخرت بأقوام لهم شرف
قلنا صدقت ولكن بئس ما ولدوا
وخير القول: (كن ابن من شئت واكتسب أدبًا.. يغنيك محموده عن النسب).

[email protected]

العلامات
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X