fbpx
كتاب الراية

ضوء أخضر.. التعقيم وجراثيم التعليم!

كثرة الاختبارات والواجبات والمواد المعقدة والدروس الخصوصية.. أهم التحديات

ليس غسل اليدين بانتظام وحده من يمنع تدفق الجراثيم، إذ يقول الأب الروحي للتعليم الفنلندي «باسي سالبرغ» إنَّ أول خطوة اتخذتها الدولة الأوروبية للنهوض بالتعليم هي التخلص من الجراثيم، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن هل للتعليمِ من جراثيم؟! تأتي الإجابة من الأب الروحي: «نعم»، إنّها جراثيم قادرة على هدم أي نظام تعليمي يتكئ عليها، لأنها ممارسات غير تربوية من شأنها إرهاق التلميذ والمعلم معًا، وإضعاف عملية التعليم ككل.

ويلخص الخبير التربوي الفنلندي «جراثيم التعليم التي تحتاج إلى تعقيم» في الآتي: تكثيف المواد، وكثرة الاختبارات والواجبات، وإطالة أوقات الدوام، والدراسة المنزلية، والدروس الخصوصية، والمواد المُعقدة، مؤكدًا أن هذه جراثيم تخلصت منها فنلندا، فتصدَّرت العالم في قائمة أفضل الأنظمة التعليمية، وحازَ طلابها المراكز المرموقة عالميًا، وتسابقت الدول الأخرى لتحظى بالاستفادة من تجربة «التعليم الفنلندي» للنهوض بأنظمتها التعليمية.

الجرثومة الأولى التي تحدث عنها الأب الروحي للتعليم الفنلندي «باسي سالبرغ» تكمن في تكثيف المواد، وهي إحدى أهم الجراثيم التي يتصف بها تعليمنا وفق قاعدة التعامل مع الطالب بالكم وليس بالكيف؛ كم يحفظ من المعلومات؟ كم يتلقى من الحصص يوميًا وأسبوعيًا؟ كم يحل من الواجبات المنزلية؟ كم مرة يختبر؟ كم وكم وكم؟ أصبحنا -في منظومتنا التعليمية- نتعامل مع الطالب وكأنه خزَّان معلومات، أو كما أسماه باولوفريري ب «التعليم البنكي» الذي يصوِّر المتعلمين كأنهم حسابات بنكية يتم إيداع المعرفة في أذهانهم من قِبل المعلمين.

أما الجرثومة الثانية التي تخلصت منها فنلندا هي كثرة الاختبارات والامتحانات، ولقد فعلوا خيرًا في الطالب بإبعاده عن شبحِ الاختبارات والامتحانات المرعب، حيث تشكِّل الاختبارات والامتحانات في تعليمنا عاملَ خوفٍ ورعب للطلاَّب، بل ولأسرهم أيضًا لأنها مرتبطة بالمصير المستقبلي الذي يحدد اتجاه الطالب، لكن الدولة الأوروبية لم تقتنع بمردود سياسة الاختبارات، لهذا حدَّدت دور المُدرس الفنلندي، في مساعدة كل طالب لفهم المادة داخل الصف، دون ملاحقة الطالب بالامتحانات الطويلة والقصيرة والمفاجئة، أو مواسم الرعب النهائية.

وتتمثل الجرثومة الثالثة في إطالة ساعات الدوام، التي تؤدي إلى إنهاك الطالب ذهنيًا وإرهاقه جسديًا، ما يتسبّب في ضعف التركيز لديه، لكن فنلندا رفعت شعار: «تدريس أقل، تعلُّم أكثر» الأمر الذي يعني تقليل وقت التدريس مع تعلُّمٍ أكثر، لأنّ الدولة الأوروبية ترى أنّه لا توجد علاقة بين زيادة أوقات الدراسة والتفوق، كما ترى أيضًا أن الجرثومة الرابعة هي الدراسة المنزلية وحل الواجبات وعمل الأنشطة في البيت، حيثُ تعطي فنلندا الطالب الحق في الاستمتاع بوقته خارج وقت المدرسة، ولا يجب الاستحواذ عليه، وله الحق في قضاء أوقاتٍ مع أسرته، بدلًا من تمضيةِ الوقت في حلِّ الواجبات والأنشطة المدرسية ما يتسبّب في عزله اجتماعيًا.

وترى فنلندا أن الجرثومة الخامسة هي الدروس الخصوصية، التي تضاعف أوقات الدراسة على الطالب فيصبح كل يومه دروسًا في دروس، يأتي من المدرسة مرهقًا، ثم ينضمُّ لقافلةِ الدروس الخصوصية وهذا ما يسبب له الإرهاق الجسدي والذهني، كما أن هناك أيضًا جرثومة سادسة تتمثل في المواد المعقدة أو مواد الحشو التي لا ينتفع منها الطالب في واقعه أو في ميوله واتجاهاته، وهي ما يطلِقُ عليها الخبير الفنلندي «باسي سالبرغ» وصف «المعرفة المعزولة» ويعني بها المعلومات التفصيلية التي لا يتداولها إلاَّ أهل التخصص الدقيق، وبالتالي هي مواد تحتوي على التفاصيل المُسهبة التي لا يحتاج لها الطالب في دراسته فهي تضيّع وقته، وقدراته فيما لا طائل منه.

والله ولي التوفيق ،،،

أستاذ الهيدروجيولوجيا والبيئة بجامعة قطر

[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X