fbpx
كتاب الراية

ما بين السطور.. بين الأمس واليوم

لنعش حاضرنا فقط ونتصرف وفق مبادئه ومواقفه فالماضي لن يعود

في الكثير من الأحيان، يطرق ذاكرتنا مشهد قديم جدًا، ربما نسيناه يومًا ما، وغيّبناه في زوايا العدم والفناء، إلا أن شيئًا ما أخرجه من تحت الأنقاض، ونفض عنه الغبار، ليقف أمامنا شامخًا معتزًا بنفسه وكأنه يقول: ها أنا هنا، لا زلت أحيا في ذاكرتكم.

تلك اللحظة ربما تكشف لنا تلك الذكرى خطأ جسيمًا وقعنا به في لحظة من لحظات حياتنا، لكننا لم نحتمل ذلك، ولم ندرك مدى خطئنا حتى هذه اللحظة الحديثة.. نعيش أعوامًا، نعبر الطرقات، ونجوب الأرصفة، ونحن نعتقد بصواب حدث ما أو موقف ما من حياتنا، ما يجعلنا نحمل في داخلنا ميزة استثنائية عن الآخرين، ولكن ما إن ندرك خطأنا العتيق جدًا، والذي لم يعد أحد يذكره، حتى نجد أنفسنا في غياهب الندم.. تساؤلات، وشك وحيرة، ولكن دون إجابة، فلا الزمن سيعود إلى الخلف، ولا نحن سنعود إلى ذلك العهد القديم، ولا الآخرون الذين شهدوا تلك اللحظة يدركون فظاعة الخطأ الذي تم ارتكابه دون وعي منا.. نظل نُحمّل أنفسنا اللائمة على شيء مضى وانتهى..

ترى هل مات أحد بسببه..؟ هل تسبب في فناء أمة ما وزوالها؟، هل غيّر في تاريخ العالم سطرًا واحدًا ؟ هل تسبب في إغلاق المدارس والمكتبات ودور العلم والمعاهد..؟

لا.. لا شيء حدث من ذلك كله.. كل ما صار وحدث مر، واختفى بين رياح النسيان.. فهل من الصواب فتح الجراح المغلقة منذ سنين، والتي ما فتئت تندمل بعد طول زمن ؟

هل من الصواب رتق الثوب الذي أبلته الأيام والحسرة والندم.. وهناك غيره الأفضل والأجمل؟

حين تغادر السفينة المرسى، لا يمكنها أن تعود إلا بعد أن تكون قد أدت المهمة التي سعت من أجلها، والهدف الذي كانت تقصده.. وهكذا نحن، علينا ألا نعود إلى نبش القبور وإماطة التراب عن المستور، إلا إن كان لغاية نبيلة، ومصلحة غاية في النبل والكرامة.. الجرح القديم لا يمكن إلا أن يترك له أثرًا فوق الجلد، وبين الأوردة والشرايين، وفي الأذهان.

كذلك السوط المعلق بأخطائنا، حين يدمي أجساد البائسين، تتساقط كل الأقنعة التي كانت تختبئ تحتها علامات الأنانية والحقد والحسد.. حينها، نستطيع أن نتعرف على أنفسنا، وعلى حاملي الأحقاد علينا، وعلى من يشعلون الضيم في قلوبنا.. نعرفهم حقًا، ولكننا لم نفكر يومًا في تلك الذنوب التي ارتكبناها في حق من صادفناهم في دروب حياتنا المتقطعة.. إلا حين نفاجأ برؤيتهم في مكان ما.. ترى هل يفيد العتاب حينها ؟ فقد مر الزمن، وانقطعت كل حبال الصلة بيننا وبينهم، هم يحملون غضبهم بداخلهم، ونحن ندور وندور في ساقية النسيان.. البعض منهم يتجرأ ليسرد علينا وقائع الجرم الذي ارتكبناه في حقهم، بلا مبالاة.. والآخرون يُحمّلوننا عواقب تلك اللحظات الكئيبة التي سبق فيها السيف العَذَل..

نعم، لقد سبق السيف العذل، وأخطاؤنا وذنوبنا الماضية وقعت في عهد آخر، وزمن آخر، وموقف آخر، وفي عمر آخر، وإدراك آخر، بلا خبرة، بلا دراية، بلا نية مبيتة، وقعت حسب الموقف والحدث حينها في تلك اللحظة.

لو قدر لنا الزمن العودة إلى تلك اللحظة ونحن في هذه المرحلة من العمر، ربما استطعنا تداركها في وقتها، وإن عدنا بنفس مرحلة العمر السابقة، فلا أعتقد أن الموقف سيتغير، فكل ما حدث وليد الصدفة والزمن، والموقف، والإدراك اللحظي.. كل ما أستطيع قوله الآن، لنعش حاضرنا فقط، ونتصرف وفقه ووفق مبادئه ومواقفه، فالماضي لن يعود، والغد سابق لأوانه.

فلنعش اللحظة الحالية بكل ابتساماتها وصخبها، وتقلبها، ولنحاول أن نقتطف من الماضي والحاضر، دروسًا للغد، تكون لنا نبراسًا وسلمًا يرتقي بنا للأفضل.

[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X