fbpx
كتاب الراية

تحت المجهر.. «المجتمع الافتراضي» في مواجهة «المجتمع الواقعي»

هذا الفضاء يتساوى فيه المتعلم وغير المتعلم.. صاحب الاختصاص وغير المختص

قبل الشروع في هذا المقال نطرح سؤالًا جوهريًا: هل مجتمعاتنا العربية اليوم هي نفسها كما كانت قبل عقدين أو ثلاثة من الزمن؟ أي قبل سيطرة الكمبيوتر الشخصي والشبكة العنكبوتية ومحركاتها ومنصات التواصل الاجتماع، أمثال: تويتر والفيس بوك والإنستجرام والواتس آب والتيك توك ومؤخرًا الكلوب هاوس.. ومن ضمنها التقنيات المولدة لها مثال التليفون الذكي والآي باد بتطبيقاتهما المتعددة؟ ترى أي شيء تغير الآن؟ إن كان هناك تغير في بيئة المجتمعات بعد دخول هذه التقنيات في حياتنا، حيث بات الاستغناء عنها من المستحيلات.. كاستحالة الامتناع عن الهواء والغذاء.

ولنحاول الإجابة عن السؤال المقدّم في البحث عن أهم الملامح الجديدة لمجتمعاتنا الحالية؟ بعد كل التغيرات التقنية التي طرأت عليها، فماذا نرى؟

ما نراه في مجتمعاتنا هو ما يشبه الانقلاب الشامل.. بعد حدوث تحوّل الفضاء الجديد المتكون افتراضيًا، وهو ما يسمى «بالفضاء السيبراني».. إلى «مجتمع افتراضي- سيبراني» بكل معنى الكلمة.. بحيث بدأ يتحول هذا الفضاء إلى بديل فعليّ عن «المجتمع الواقعي» المادي المتعارف عليه. وعلى الأخص في المجتمعات المنغلقة، التي تضيقُ ذرعًا بسياسة الأبواب المفتوحة، وتعدد الآراء وتعارضها مع سياساتها وتوجهاتها. فالمتتبع لهذه التحولات، سيكتشف مدى اللجوء إلى هذا الفضاء، وتحوّله إلى ملجأ ومنفذ لطرح الآراء المختلفة، عندما تُسد المنافذ الإعلامية الأخرى من صحافة وتليفزيونات محلية وقنوات فضائية، بعد تحوّلها إلى أدوات إعلامية وثقافية تتحكم بها السلطات الحاكمة.. هذا ناهيك عن القوانين المُلجمة والمقيدة للظهور العلني للرأي الآخر.

لهذا، فليس من المستغرب في أجواء كهذه، أن يتحول الإنسان المكبوت إلى مَخرج ما، ينفس ما يمكن أن ينفجر.. وتصبح الأدوات والتقنيات الحديثة، مثال الكمبيوتر الشخصي، والتليفون المحمول، والإنترنت ومتعلقاتها وأدواتها التقنية، هي «المُخـَلِص».. الذي ينتظره الجميع ويمسك بتلابيبه ولا يستغني عنه، وفي سبيل اقتنائها تدفع آلاف الدولارات، وفي مصاحبتها تقضي أحلى الأوقات.

كما أن هذا التحول إلى «المجتمع الافتراضي» أصبح أكثر تميزًا ووضوحًا في لجوء المثقفين الملتزمين إلى فضائه.. ومحاولاتهم الحثيثة لوضع بصماتهم وأقدامهم في هذا المجتمع لسهولة تواصلهم مع الجماهير.. خاصةً المثقفين الذين تمردوا على أوضاع أقطارهم ومجتمعاتهم ونتيجةً لهروبهم من حكوماتهم التي أحكمت الطوق على ألسنتهم وأقلامهم وأكملت من قبضتها الحديدية على وسائل الاتصالات والإنترنت، وسنت العديد من القوانين المقيدة للحريات، ما حَدا بالمثقفين والمعنيين بالشأن العام إلى اللجوء إلى المساحات الأخرى، التي تتوفر فيها هوامش من الحريات.. أي «العالم الافتراضي»، والابتعاد عن الواقع الذي لا يستطيعون مواجهته ومجابهته بقلم مكسور.. وفكر مقهور.. وذهن مُنهك.. وجسدٍ مطارد.. وعقلٍ مُقيد.

من هنا، كان قرار المثقف الملتزم عدم التسليم والانسحاب من الساحة المعطلة المقيّدة للفكر الحُر.. فكان اللجوء إلى ساحات أكثر رحابة وحرية، باتت تقدمه «الثورة الرقمية»، وأصبح نتاجها مجتمعًا جديدًا، يلتقي فيه أصحاب الفكر والرأي بمختلف تخصصاتهم وتوجهاتهم الفكرية، ومحدداتهم الأيديولوجية.. بجانب المتعلمين وأنصاف المتعلمين والبسطاء من الناس.

وإذا كان «المجتمع الواقعي» يتطلب المرور بحواجز عدة للوصول إلى الجمهور المهتم وعامة الشعب.. فإن «المجتمع الافتراضي» قد ألغى هذه الحواجز، ومهد الطريق للجميع أن يدلوا بدلوهم ليصبّوا ما بجُعبهم من أفكار خيّرة أو هدامة.. كما يصيبهم من الغث السمين أو السم الزؤام، مما ينتشر من سموم وآفات وأمراض وموبقات تنتشر في الفضاء.

ففي هذا الفضاء يتساوى المتعلم وغير المتعلم، صاحب الاختصاص وغير المختص، المفكر والفيلسوف والإنسان العادي.. فالمعلومة متاحة للجميع.. وإبداء الرأي في أي موضوع ممكن.. بدون تقييد أو حجر.

ومن جهة أخرى، فإن هذا «المجتمع الافتراضي»، تجاوز حد الجغرافيا الطبيعية التي تحد المجتمعات التقليدية المسوّرة بقوانين الدول والحكومات، وأصبح المنتمون إليه يملكون «جواز سفر عالميًا»، ولا يحتاج لإصداره «وطنًا»، ولا يتطلب اتباع «دين» معين أو انتماء لأي «قومية»… فالكل فيه سواسية… والدخول فيه ممكن بجواز يُسمى: «التليفون الذكي».

[email protected]

twitter:@DrIbrahim60

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق