fbpx
كتاب الراية

الباب المفتوح … شكوك رياضية

المزاوجة بين العلوم التطبيقية والعلوم الإنسانية في إدارة الموارد البشرية

الإنسان عنصر غير قابل للقياس.. والأداء له ضوابط ومعايير قياس كمية ونوعية

د. عبد الرحيم الهور

صراع أزلي في قراءة السلوك الإنساني المُرتبط بالعمل والإنتاج، بين النظر للإنسان على أساس وحدة إنتاج مُنتظمة حسب التأهيل والتدريب، أو النظر إليه على أساس وحدة إنتاج متفاوتة الكفاءة لنفس العنصر من وقت لآخر، اعتمادًا على البُعد النفسي، وكلا التحليلين صحيح، وهذا يصعب دور الإدارة والتخطيط، ويشعب أعمالها بين السلوكي والمهني.

إنّ البحث دائمًا بين خيوط الرياضيات عن مكان للفلسفة وفي علوم الاقتصاد عن أسرار للهندسة، وكلما بحثت أكثر أجد أن العلاقة بين العلوم التطبيقيّة والعلوم الإنسانيّة هي علاقة تكاملية في العمق على الرغم من تنافيها في الظاهر، ما يُحدث حالة من التناقض المنطقي، الذي يدعو إلى الشك في ثوابت العلوم، لا شك أن الجميع يتفق مع أبسط معادلات الرياضيات وهي أن مجموع «واحد زائد واحد هو اثنان» وأن أي اختلاف مع هذا المبدأ هو ضرب من الفلسفة غير المقبولة لأن التشكيك في العلوم التطبيقية البحتة هو تشكيك في ثوابت العلوم، الآن أريد أن أضرب نفس المثال، لكن من خلال دمجها مع العلوم الإنسانية لأخرج بنتيجة مُغايرة، فإذا قلت إن «الواحد» يرمز إلى الموظف و«الواحد» الآخر يرمز أيضًا إلى الموظف بتوحيد صفة المعدود، فإن حاصل جمعهما في قسم الموارد البشرية هو موظفان على أساس أن كليهما في نفس الوظيفة ويؤديان نفس العمل، وأيضًا على أساس الحساب الكمي، فإن هناك معايير معتمدة في الأداء، كأن نقول إن الموظف في هذا المكان ينجز في يوم العمل الواحد عشر معاملات، وعليه فإن مجموع ما ينتجه الموظفان هو عشرون معاملة، لنخرج بالمعادلة أن «واحد زائد واحد يساوي اثنين» بإنتاج عشرين معاملة يوميًا، وهنا وبعد الاتفاق على صحة المبدأ في القياس يمكن أن يختلف معدل إنتاج الموظفَين، كأن نقول إن حقيقة إنتاج الموظف الأول خمس معاملات يوميًا، والثاني كذلك خمس معاملات لتكون النتيجة أن إجمالي ما ينتجانه هو عشر معاملات ليكون ناتج موظف زائد موظف هو موظف واحد أو ثلاثة أو حتى صفر ١ ١ = ١ أو ٢ أو ٣ أو حتى صفر وفِي النتيجة لا يمكن لقسم الموارد البشرية أن يضع خطط التوظيف على الأسس الرياضية، ولا يمكن للإدارة العليا أن تضع الخطط الاستراتيجية ولا الأهداف التكتيكية ولا رسم سياسات الإنتاج بناءً على المعلومات الرقمية التي يزودها بها قسم الموارد البشرية، إذ إن أعداد الموظفين لا تعكس بالضرورة القدرة الإنتاجيّة.

حقيقة في هذا الصدد أودّ أن أضرب مثالًا «حاليًا» فيما يجري في السياسات النقدية التي يتخذها «الفيدرالي الأمريكي» فيما يتعلق بأسعار الفائدة، خصوصًا أنه بالأمس قرر رفع أسعار الفائدة، وهذه السياسات عادة ما تأتي بعد دراسة رياضية وعلمية دقيقة ثم يتم اتخاذ القرار، لكن صلة الربط هنا أن «الفيدرالي الأمريكي» ما يلبث أن يصدر تعديلًا على أسعار الفائدة إلا ويردفه بعد وقت قصير بتعديل آخر، وذلك بسبب تغيّر المُعطيات الأولى، وهو ما يقودني مباشرة إلى فكرة عدم الموثوقية المطلقة بالعلوم الرياضية التطبيقية وضرورة دمجها مع العلوم الإنسانية باستمرار أثناء التحليل واتخاذ القرار.

وهذا يضعنا أمام تحدٍ كبيرٍ في مدى ثقتنا في العلوم التطبيقيّة، خصوصًا عند دمجها في العلوم الإنسانيّة، وهل يمكن أن تكون علوم الفلسفة والمنطق هي صاحبة اليد العُليا في اتخاذ القرارات الإدارية والسياسية والاقتصادية، أنا شخصيًا أرى بهذا الاتجاه، فكلما اقتربت من إطلاق الثقة فيما يحكمه العقل والمنطق عدت لأجد أن في العاطفة ما يناقض ذلك المنطق، لذلك اخترت من فلسفات محمود درويش العنوان «جئت ولكني لم أعد» لما فيه من فلسفة التناقض الجميل، وإلى أن نعود جميعًا إلى ما نحب هذه تحية وإلى اللقاء.

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X