fbpx
كتاب الراية

ما بين السطور.. الطفل المسلم والحكايات

بدأت الحكومات تعي دور الثقافة والحكايات في تعليم الطفل وتنمية مداركه

قبل عقود من الزمن، لم يكن للطفل المسلم أي مصدر نافع وصالح لاستخدامه كقصص وحكايات مفيدة، وذات طابع تربوي إسلامي.. الحكايات المُتداولة على نطاق العالم الإسلامي والغربي كانت ذات طابع أسطوري مُستغرق في الخيال، تدور أحداثها حول السحر والجان والشعوذة والمردة، وتستخدم أبطالًا لهم خصائص بالغة القوة والخيال، وشخصيات غريبة مُستمدة من التراث اليوناني والروماني، الذي كان يستخدم أساطيره الوثنية لجذب الإنسان القديم، صغارًا وكبارًا.. وقد انتشرت تلك الأساطير في ربوع العالم، وتم تصديرها للعالم الإسلامي والعربي، حيث قام المُترجمون بترجمتها من اللغات الأصلية إلى اللغات المتداولة في العالم الإسلامي، ما أدى إلى نشر موجة من الخرافات والأساطير الخارجة عن المألوف، وعن العقائد السماوية، مُستغلة مرحلة الجهل والأمية المنتشرة في ذلك الحين، لتطويع إرادات الشعوب المُسالمة، وبث الرعب في نفوس الأجيال التالية، والسيطرة عليهم من خلال الترويع والترهيب.

ومع انسلاخ القرن التاسع عشر، ودخول العالم في القرن العشرين، نشأت مرحلة من الوعي، حيث كانت بعض الدول كبلاد الشام ومصر، قد أوفدت الكثير من أبنائها وطلابها ليتلقوا العلم في أوروبا، حيث اطلعوا على ثقافات العالم «المُتحضّر» في ذلك الوقت، وقاموا بنقل الكثير من تلك الثقافات والحضارة إلى أوطانهم..

انتشرت الترجمة، من اللغات الأجنبية إلى العربية، وأصبح للطفل العربي والمُسلم مكتبة من الحكايات والقصص المُختلفة، والمنقولة من العالم الغربي، وشرق آسيا، وإفريقيا..

وقد وعى الكتاب في ذلك الحين الحاجة إلى ضرورة خلق ثقافة عربية للطفل، حيث كانت الحكايات والقصص هي أهم ما يشغل مُجتمعات العامة من الشعوب، حيث إنها مصدر التسلية والمُتعة الأكثر انتشارًا، وشيوعًا لدى الكبار والصغار، وحيث لم تدخل التكنولوجيا حينها حيز الوجود.. وبدأ الكتاب باستخراج حكايات للطفل العربي، من بعض الكتب الخارجية، مثل «كليلة ودمنة» و»ألف ليلة وليلة»، بينما بدأ البعض بنقل القصص المُنتشرة في أوروبا للأطفال، والتي كانت تلقى إقبالًا كبارًا من المُستمعين والقرّاء، لما تحويه من تشويق ومُتعة، وخيال.. وبقيت تلك القصص هي المصدر الرئيسي لأدب الطفل في وطننا العربي، حتى فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية، ثم بدأ بعض الكتّاب ينتبهون إلى خلو تلك القصص المنقولة، من مقومات إسلامية، وتربوية تتناسب مع وضع الطفل العربي في ذلك الحين، والذي كان بعيدًا عن اهتمام الحكومات الاستعمارية، والتي حاولت تأليب هذا الطفل على أمته ودينه، من خلال البعثات التبشيرية التي انتشرت على مدار العالم، لتنقل الطفل من بيئته ومُجتمعه، ولغته، إلى لغة وبيئة وثقافة المُستعمر. في ذلك الحين انطلقت بعض الأصوات المُنادية بالتغيير والعودة إلى مبادئ الإسلام وثقافته، وموروثاته من الفكر العربي المُسلم، الذي أسس جامعات ومعاهد للعلم في أوروبا، فبدأ بعض الكتاب يستلهمون حكايات وقصصًا للطفل العربي، من سير الأنبياء، وقصص الصحابة، وسيرة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وبعض القصص المُستمدة من كتاب الله، والسيرة النبوية، إلا أن ذلك كان نذرًا من يسير، فلم يقارن بالمكتبة العالمية التي تصدّرت أرفف المكتبات ودور النشر في معظم الدول العربية، والتي كانت تدر الكثير من الأموال للمعنيين بها، وبترجمتها، وإعادة نشرها مرة بعد مرة.. في العصر الحديث، بدأت الحكومات تعي دور الثقافة والحكايات في تعليم الطفل وتنمية مداركه ومفاهيمه، فأطلقت بعضها مُبادرات تشجيعية في مجال التأليف والإبداع في أدب الطفل العربي، والتقليل من الترجمة والنقل، فكان أن استجاب الكثير من مُبدعي العالم العربي لهذه الصحوة، فانطلقت سلاسل من القصص العربية الحديثة بأقلام كتاب عرب من شتى جهات العالم العربي، فأنشأت دور نشر خاصة بكتب الأطفال، ومراكز ثقافية للطفل العربي المُسلم في بعض تلك الدول، وخرجت مجموعات من القصص والحكايات التربوية الصالحة لإنشاء جيل جديد على مبادئ التراث العربي والإسلامي، وتجنب الخرافات والأساطير التي كانت سائدة قبل ذلك بقرون طويلة..

حاليًا، مع التطور التكنولوجي والأكاديمي، أدخلت مادة ثقافة الطفل إلى عدد من المعاهد والجامعات العربية والإسلامية، من أجل إخراج أجيال شابة جديدة واعية بمُتغيرات العصر الحديث والقرن الحادي والعشرين، وما ينشأ فيه من تطورات سريعة في التعليم والثقافة، والإعلام، والنشر، وغير ذلك..

وما زالت القوافل السائرة على هذا النهج تضع خطواتها بقوة وجد في سبيل تحقيق ثقافة عربية إسلامية، من خلال مكتبة عربية مُسلمة شاملة لكل الآداب والفنون والعلوم.

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X