fbpx
كتاب الراية

فيض الخاطر.. حديث المجالس.. والمحاذير المتوقعة

ومن أسوأ ما يمكن أن يلاحظه المرء في حديث المجالس هو الجهر بالسوء

رغم كل ما يُقال عن انشغال الناس بوسائل التواصل الاجتماعي، وتبادل الرسائل النصيّة والصوتيّة عبر الوسائط الإلكترونيّة، ما زالت الأحاديث الشفوية المُباشرة في المجالس تحظى باهتمام روّاد هذه المجالس، سواء في الديوانيات أو الاستراحات أو المخيمات أو مقاهي الأسواق الشعبية أو أي تجمعات أخرى، وإن قلّت هذه الأيام في ظل ظروف جائحة كورونا السيئة السُمعة، لكنها ما زالت موجودة، حيث يتطرّق فيها الحديث لأمور شتى، بعد أن فاضت هموم الناس الاجتماعيّة والاقتصاديّة، وأصبحت على كل لسان بين الصغار والكبار، وأسوأ ما يتم تداوله في هذه المجالس الإشاعات الخاصّة والعامة، حيث يجتهد بعض الحضور في إضافة البهارات لأي إشاعة جديدة، تبدو في بدايتها صغيرة، ثم تكبر كلما لاكتها الألسن، لتضيف عليها وتصبح مثل كرة الثلج التي تكبر على الدوام إلى أن تصيب أحدهم في مقتل، ويذهب ضحيتها أبرياء لا حول لهم ولا قوة، لصدّ كرة الثلج بعد أن يصبح حجمها أكبر من أن يُحتمل.

ومن أسوأ ما يمكن أن يلاحظه المرء في حديث المجالس هو الجهر بالسوء، من خلال التعصّب أو المُبالغة أو النظر إلى الأمور بمنظار لا يعرف الصدق أو العدل أو الدقة لا في النقل ولا في اختلاق الأخبار الكاذبة، وهذا هو الجهر بالسوء والله لا يحب الجهر بالسوء.

يتساوى في ذلك ما يتعلق بفرد أو بمُجتمع أو ببلد ما، فتأتي الأحكام دون دقة أو رويّة أو تفكير في إمكانية أو عدم إمكانية حدوثها، وهناك فئات، هداها الله، لا يرتاح لها بال ولا يقرّ لها قرار إلا إذا تداولت الحديث حول فلان أو علان من الناس، قد تكون بداية ذلك الحديث خالية من أي شبهة ولا يراد بها السوء، لكن هناك من الحضور من ينقلها على غير حقيقتها لتصبح حديث المجالس، عندما تغلب شهوة الكلام على بعض الحضور، وينقل ما سمعه لمجرد رغبته في الحديث، لكي ينال اهتمام الحضور للإصغاء إليه، وبقدر ما في حديثه من مُبالغات يكون الاهتمام به أكثر، ما يدفعه للتمادي في الخوض في أعراض الناس، ونقل أسرارهم، وافتعال الأكاذيب حولهم، وسواء أراد أو لم يرد فإنه بهذا السلوك المعيب ينشئ جدارًا من العداوات بين الناس، ربما أدّى إلى القطيعة بين الأقارب والأصدقاء، إلى جانب ما يعنيه ذلك من تشويه لسُمعة الأبرياء على لسان الحمقى والمُغرضين ودعاة الفتنة.

المجالس وسيلة لتبادل الأحاديث والحوارات الجادة النافعة، ومعرفة أخبار الأصدقاء والمعارف، وتفقّد أحوال الغائبين منهم لمعرفة أسباب غيابهم، والاطمئنان على أحوالهم، كما أنها وسيلة للتثقيف، ومعرفة الجديد من الأخبار المُجردة من أي غاية سيئة أو هدف مُريب.

كأن الأوائل يتخذون من المجالس منابر للنصيحة وتبادل الآراء النافعة التي تُقرّب القلوب وتصفي النوايا، وتزيل الخصومات، وقد تجنح للتسلية البريئة من خلال ذكر المواقف الطريفة والحكايات المُسلية، وما يروى عن السلف من أحداث ذات عبرة وفائدة، دون التعرّض لسمعة أحد أو النيل من مكانته، أو نشر الريبة حول سلوكه الخاص. وفي التنزيل الكريم: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قومًا بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين)، ومما رواه أبو داود والترمذي عن ابن مسعود رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يبلغني أحد من أصحابي عن أحد شيئًا فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر). ومن أبلغ ما قيل عن الأقوال السيئة المتداولة في المجالس قول أحدهم: (يفسد النمام والكذاب في ساعة، ما لا يفسده الساحر في سنة). وما على الإنسان إلا أن يتجنّب المحاذير إذا ذهب إلى أحد هذه المجالس، كي لا ينساق في الأحاديث الكاذبة التي تسيء لغيره. وقد قيل:

لا يكذب المرء إلا من مهانته أو فعله السوء أو من قلة الأدب.

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X