fbpx
كتاب الراية

ما بين السطور.. حين تجف الأقلام وتنضب المحبرة

كيف للأقلام أن تُحال إلى التقاعد وأن تتوقف عن المسير فوق السطور والأوراق البيضاء..؟

هل تجف الأقلام حقًا بعد طول أمد في العبور بين السطور، وتطريز الورق بأرق المعاني والحروف.. وأجمل الكلمات، والعبارات، والموضوعات المُنمّقة، والتي تقترب بحروفها ونبضاتها من نبضات القرّاء ومشاعرهم.. ولا تترك لديهم مجالًا للتساؤل بعض الأحيان، لماذا كل هذا..؟

لا أعرف لماذا سأكتب هذه السطور، وأطرح هذه النبضات الجديدة، بعد أن استمر قلمي ومحبرتي في الري والعطاء لما يُقارب العقدين من هذا القرن الجديد، ماعدا تلك العقود التي مرّت قبل ذلك..؟ بين أكثر من مطبوعة محلية وخليجية..؟

فليس من السهل أبدًا أن أضع قلمي من يدي، وأغلق محبرتي، وأطوي أوراقي التي تكدّست أمامي فوق طاولتي، وتحت وسادتي، وفوق رفوف الخزانات المُتعدّدة.. وفي أركان منزلي وزواياه كله، حتى إنني أشعر أحيانًا، بأن هذا البيت يحوي من الأوراق ما يُعادل غابة استوائية كاملة، تم قطعها، ونُحتت أخشابها، وتحويلها إلى عجائن مطواعة، لتخرج في النهاية عبارة عن مسارات بيضاء للأقلام، وللخطوط المُتناهية الصغر مثل خطي، والتي تحتاج دائمًا إلى نظّارات للقراءة، لمن يُحاول فك حروفها، أو الاطلاع عليها..

وكثيرًا ما يُطرح سؤال:

ـ متى يتقاعد الكاتب أو المُبدع..؟

إنهم لا يتقاعدون أبدًا.. رغم أن هناك بعض الكتاب قرّر التوقف عن الكتابة في فترة زمنية ما..

ولست أعي كيف للأقلام أن تُحال إلى التقاعد.. وأن تتوقف عن المسير فوق السطور والأوراق البيضاء..؟

الكتابة إبداع، والإبداع موهبة، والموهبة لا تتقاعد ولا تموت، إلا بموت حاملها..وحامل الريشة أيضًا، يظل يلوّن ويضع خطوطه فوق القماش والورق والخشب والزجاج.. وأي مواد أخرى تقع بين يديه، طالما هو يتنفس، وريشته تنغمس في الألوان، وتسبح فوق اللوحات المنصوبة، وعيناه تعشقان وتحبان كل شيء من حوله.

صاحب القلم، الكاتب، عاشقٌ للكتابة، وهذا العشق أزلي، لا ينحصر في عمر مُعين، ولا زمان مُعين، ولا مكان مُعين، فالكتابة حدودها الكون كله بكل أطرافه وأجزائه، وكل واقعه وخيالاته، وما وراء هذا الكون من فكر حالم مُستمتع بالرحيل في عوالم ما وراء الطبيعة والحقيقة والواقع.

حين تحتضن أنامل الكاتب القلم، فإنما هي تحتضن عشقه الأبدي، والذي لا يُمكنه هجرانه أو نسيانه في غياهب العمر والزمن.. إنها نبضات قلب المُبدع، تتحرك فوق الورق، فكل حرف نبضة، وكل نبضة كلمة، وكل كلمة هي آهة لجملة وليدة بعد طول مخاض.. وكل جملة ما هي إلا ترنيمة جميلة مُنطلقة في أرجاء الكون والسماء.. تدعو الآخرين للانطلاق بعيدًا إلى أقاصي الحروف، وأقاصي الأحاسيس والمشاعر المنطلقة من نفس غنية بالفكر، والأمل، والحياة.

حين يجف القلم، نعيد ملأه من جديد، وحين تجف المحبرة، نبتاع واحدة أخرى جديدة، فلا عذر لمن يدّعي نضوب المحبرة، فالمحبرة تحيا في الفكر والروح، وهي حيّة متدفقة مِعطاءة، مادامت الروح شابة بالطاقة والحياة.

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X